صفي الدين
03-02-2008, 04:01 PM
الحياة الدينية للعصر الجاهلي
العرب قبل الإسلام:
كانت للعرب أهمية كبيرة في تاريخ البشرية لما قاموا به من إسهام ضخم في الحفاظ على العلوم الإنسانية التي استقوها من الأمم السابقة؛ مثل اليونان والفرس والرومان وغيرهم ممن سبقوهم. كما أن هذه الأهمية تزداد عند الاطلاع على تطويرهم لكثير من العلوم والمعارف الإنسانية، وتلك الإضافات الرائعة التي أدخلوها في كل علم وفن. فهم قد برعوا في الفلسفة، واستوعبوها وشرحوها شرحا وافيًا؛ كما أنهم تفوقوا في الرياضيات، وامتازوا بما قدموه للعالم في الطب والهندسة والفلك والعمارة والفنون الجميلة والعلوم الاجتماعية والإنسانية، وسائر العلوم الأخرى. انظر: العلوم عند العرب والمسلمين.
ولقد قام العرب بعد ظهور الإسلام بتطوير كبير لهذه المعارف، حتي أصبحت لهم المكانة الأولى في ذلك طوال القرون الوسطى التي كانت فيها أوروبا تعيش فترات جهل وشعوذة.
وصف المؤرخون العرب بأنهم شعب ساميّ، أي أنه ينتمي إلى سام بن نوح، وذكروا أنهم ربما نزحوا من حوض البحر الأبيض المتوسط أو بلاد ما بين النهرين منذ تاريخ بعيد، ثم استقروا في شبه الجزيرة العربية. وانتشروا بعد ذلك في ربوعها شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا ووسطًا، وأصبحت الجزيرة العربية منذ ذلك العهد وطنًا لهم؛ استقروا فيه طوال الحقب حتى جاء الإسلام، فنزحوا إلى كثير من بلدان آسيا وإفريقيا وأوروبا.
قسم مؤرخو العرب الأوائل العرب إلى ثلاثة أقسام هي: العرب البائدة والعرب العاربة والعرب المستعربة.
العرب البائدة:
يراد بالعرب البائدة تلك القبائل العربية التي كانت تعيش في الجزيرة العربية منذ أقدم العصور، ثم اندثرت لسبب من الأسباب. وقد اشتهرت من بينها أمتان جاء ذكرهما في القرآن الكريم عدة مرات، وقصّ علينا القرآن الكريم أن هاتين الأمتين ـ وهما عاد وثمود ـ قد أهلكهما الله سبحانه وتعالى، فاندثرت عاد بعد أن أرسل الله عز وجلّ عليها ريحًا صرصرًا عاتية، استمرت سبع ليال وثمانية أيام حسوما، وبذلك فني معظمهم بعد تلك الأعاصير التي أرسلها الله عليهم بسبب كفرهم. ولم يبق من هؤلاء سوى من نجىّ الله كما جاء في قوله تعالى: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودًا والذين آمنوا معه برحمة منّا، ونجيناهم من عذاب غليظ﴾ هود: 58. وبسبب ذلك العذاب اندثرت عادٌ إلا من آمن فإنه بقي وانتشر في أنحاء مختلفة من الجزيرة العربية.
أما ثمود فقد أرسل الله سبحانه وتعالى إليهم رسوله صالحًا عليه السلام، ولكنهم كفروا بما بلغهم به من آيات الله، فأهلكهم الله بالطاغية واندثروا في الجزيرة العربية.
وبالإضافة إلى هاتين المجموعتين، هناك قبائل أخرى من العرب البائدة هي طَسَم وجَدِيس والعماليق وجُرْهم الأولى وغيرها، وكل هذه القبائل لم تبق منها بقية في الجزيرة العربية، ومن بقي منها انتشر في البلاد دون أن يبقى له أثر.
العرب العاربة:
تنتمي العرب العاربة إلى يعرب بن قحطان، وهؤلاء هم الذين أطلق عليهم مؤرخو العرب القحطانيين، كما سمّوهم أيضا اليمنيين أو عرب الجنوب. وكان موطنهم الأصلي في جنوبي الجزيرة العربية، ولكن لظروف مختلفة ـ منها الجفاف وانهيار سد مأرب والبحث عن مكان أفضل ـ هاجر كثير من قبائلهم إلى أنحاء مختلفة من شبه الجزيرة. ومن أهم فروعهم الرئيسية حِمْير وكهلان، وهما أبناء يعرب بن قحطان. ومن هذه الفروع الرئيسية تفرعت سائر القبائل اليمنية مثل حِمْير وطَيِّء وجُهينة وبلي وغيرها من القبائل اليمنية الأخرى.
العرب المستعربة:
ظهرت العرب المستعربة عندما رحل سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى مكة المكرمة مع زوجته هاجر، وهناك وهبهما الله سيدنا إسماعيل عليه السلام. ولما كبر إسماعيل تزوج من العرب العاربة وهي جُرْهم الثانية، وسُمي نسله العرب المستعربة أو المتعرِّبة.
ويطلق على العرب المستعربة أيضًا العدنانيون والنزاريون والمعْديون، وكلها أسماء للدلالة عليها. ومن قبائلهم قريش وعبس وفزارة وربيعة ومُضَر وغيرها.
يرى بعض المؤرخين أن هناك صلة بين العرب البائدة وقدماء المصريين؛ ويتقصون ذلك التقارب في لغة قدماء المصريين واللغة العربية، إذ تتميز كل منهما بخصائص اللغات السامية. ونظرًا لوجود هذا التقارب بين خصائص اللغتين قيل إن بعض القبائل العربية البائدة وغيرها قد هاجرت في الماضى البعيد إلى مصر.
لم تتوقف رحلات العرب إلى مصر قبل الإسلام؛ إذ كانوا يقومون بها في تجاراتهم وتجوالهم وهجراتهم. ومن بين المشاهير الذين زاروا مصر قبل الإسلام الصحابي الجليل والقائد العربي الشهير عمرو بن العاص، الذي فتح مصر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وأخذ في نشر الدين الإسلامي مع إخوانه من المجاهدين.
حياة العرب قبل الإسلام:
كان العرب قبل الإسلام يعبدون الأوثان، وكان لكل قبيلة صنم أو أكثر يعبدونه من دون الله، كما كانت هناك أعداد من الأوثان في مكة المكرمة حول الكعبة. وكانت قريش ترعى هذه الأصنام وتُبقي عليها؛ إذ كانت تتزعم الوثنية، كما كانت تتزعم الحركة التجارية. وكانت لها قوافل تجارية تعبر الجزيرة العربية شمالاً إلى الشام وجنوبًا إلى اليمن، وكانت راعية السلع التجارية بين المحيط الهندي والشعوب الأوروبية القديمة، وكان العرب يحبون الشعر ويتغنون به، فأقاموا له الأسواق الأدبية، والمنابر الخطابية. ويقال إنهم علَّقوا المعلقات السبع على أستار الكعبة اعترافًا بجودتها، وسموها المذهَّبات لأنها كتبت بماء الذهب على ماقِيل. ومع هذه النهضة الأدبية من شعر وخطابة إلا أن التعليم لم يكن منتشرًا بين الناس، وقل عدد الذين كانوا يعرفون الكتابة والقراءة باللغة العربية.
الدلالة الدينية
يشير المصطلح إلى الحالة التي لا يلتزم بها الناس بدين الإسلام، أي أن هذا المصطلح ليس خاصاً بالعرب قبل الإسلام بل يشمل الشعوب غير المسلمة. كما استعمل هذا المصطلح للدلالة على المسلمين الذين ابتعدوا عن الدين الإسلامي بمفهومه الشامل. ويكثر هذا المصطلح استعمالا في أدبيات محمد بن عبد الوهاب و سيد قطب (يسمي عدم الالتزام الصحيح بالكتاب والسنة: "جاهلية القرن العشرين").
عصر الجاهلية:
تسمى فترة ماقبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية بعصر الجاهلية، وهي كلمة لم تكن معروفة لدى العرب قبل الإسلام، ولكنها وردت في بعض سور القرآن الكريم المدنية ـ منها سور آل عمران والمائدة والأحزاب والفتح. وتحمل كلمة الجاهلية كثيرًا من المعاني التي تعني التعارض مع تعاليم الدين الإسلامي، مثل الجهل بوحدانية الله، والكفر بها والتعصب وعدم الامتثال إلى المثل العليا التي يدعو إليها الإسلام وعدم الوحدة أو الاحتكام إلى العقل أو اتِّباع أحكام القرآن الكريم.
ولما كان العرب قبائل متفرقة، فلم تأبه بهم أو تهابهم الدول الكبيرة المجاورة لهم مثل إمبراطورية فارس أو الإمبراطورية البيزنطية حتى جاء الإسلام، الذي غيَّر أحوالهم غير الحال التي كانوا عليها.
الحضور الديني قي الأشعار
يُعَدُّ المديح في الشعر العربي من الأغراض الرئيسية التي تشغل مكانًا بارزًا في إنتاج الشعراء منذ العصر الجاهلي إلى يومنا هذا. وتدور معاني المدح في الشعر حول تمجيد الحي، مثلما تدور معاني الرثاء حول تمجيد الميت. ولكن هذا العُرف الأدبي يختلف نوعًا ما في مجال المديح النبوي.
وإذا تتبعنا تاريخ المديح النبوي ـ وإن لم يعرف بهذا المصطلح في هذه الفترة ـ نجده بدأ في حياة النبي حينما مدحه الشعراء، ومجّدوا دعوته وأخلاقه، ويأتي في مقدمة هؤلاء الشعراء شاعره حسان بن ثابت، وبعض الشعراء الآخرين الذين ذكرهم التاريخ بقصيدة واحدة مثل الأعشى وكعب بن زهير. وعندما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى رثاه الشعراء وبكوه، ولكنهم لم يخرجوا عن الخط العام للمدح والرثاء في الشعر العربي؛ لأنه ³ مدح في حياته ورثي بعد وفاته مباشرة.
وقد عدت المدائح النبوية غرضًا شعريًا قائمًا بذاته، لأن هناك من الشعراء من وقفوا أنفسهم عليها ولما يتجاوزوها إلى أغراض الشعر الأخرى. وكان من أشهر أولئك النفر من الشعراء في المشرق أبو زكريا الصرصري (ت 656هـ)، الذي يقول في الرسول:
ياخاتم الرسْـل الكرام وفاتح الـ خيرات يامتواضــعًا شَمَّاخـا
ياخير من شدَّ الرَّحال لقصده حادي المطيِّ وفي هواه أناخا
وكذلك بلغ الشاعر اليمني عبد الرحيم البرعي (ت803 هـ) شأنًا عاليًا في مديح الرسول الكريم ³ وديوانه معروف ومشهور. يقول:
بمحمَّدٍ خَـطَرُ المحامـد يعظمُ
وعقــود تيجــان العقـود تنظَّـمُ
وله الشفاعة والمقام الأعظم
يوم القلوب لدى الحناجر كُظَّمُ
فبحقّه صَلـَّوا عليه وسلـِّموا
وأما في الأندلس فقد كان أبو زيد الفازازي (ت627هـ) مُقَدَّمًا في هذا المجال، وله مجموعة شعرية في المدائح النبوية سمَّاها الوسائل المتقبَّلة وهي مخمسات على الحروف الهجائية. يقول في المخمس النوني عن الرسول :
بدا قمرًا مسراه شرق ومغربُ
وخُصَّت بمثواه المدينة يثرب
وكان له في سُـدّة النـور مضـرب
نجيٌّ لـربِّ العـالمين مقــرب
حبيب فيدنو كل حين ويُسْتَدْنى
وكذلك كان ابن جابر الأندلسي (ت 780 هـ) ممن وقفوا أنفسهم على مدح الرسول وله ديوان سماه العقدين في مدح سيد الكونين.
وقد تحولت المدائح النبوية إلى مصطلح أدبي ونمط شعري ازدهر وانتشر في العصر المملوكي، وتحديدًا في القرن السابع الهجري، حيث لجأ الشعراء إلى استرجاع السيرة النبوية والتغني بالشمائل التي تميز بها الرسول ³. وقد عُرفت القصائد التي نظمت في هذا المجال بقصائد المديح النبوي.
العرب قبل الإسلام:
كانت للعرب أهمية كبيرة في تاريخ البشرية لما قاموا به من إسهام ضخم في الحفاظ على العلوم الإنسانية التي استقوها من الأمم السابقة؛ مثل اليونان والفرس والرومان وغيرهم ممن سبقوهم. كما أن هذه الأهمية تزداد عند الاطلاع على تطويرهم لكثير من العلوم والمعارف الإنسانية، وتلك الإضافات الرائعة التي أدخلوها في كل علم وفن. فهم قد برعوا في الفلسفة، واستوعبوها وشرحوها شرحا وافيًا؛ كما أنهم تفوقوا في الرياضيات، وامتازوا بما قدموه للعالم في الطب والهندسة والفلك والعمارة والفنون الجميلة والعلوم الاجتماعية والإنسانية، وسائر العلوم الأخرى. انظر: العلوم عند العرب والمسلمين.
ولقد قام العرب بعد ظهور الإسلام بتطوير كبير لهذه المعارف، حتي أصبحت لهم المكانة الأولى في ذلك طوال القرون الوسطى التي كانت فيها أوروبا تعيش فترات جهل وشعوذة.
وصف المؤرخون العرب بأنهم شعب ساميّ، أي أنه ينتمي إلى سام بن نوح، وذكروا أنهم ربما نزحوا من حوض البحر الأبيض المتوسط أو بلاد ما بين النهرين منذ تاريخ بعيد، ثم استقروا في شبه الجزيرة العربية. وانتشروا بعد ذلك في ربوعها شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا ووسطًا، وأصبحت الجزيرة العربية منذ ذلك العهد وطنًا لهم؛ استقروا فيه طوال الحقب حتى جاء الإسلام، فنزحوا إلى كثير من بلدان آسيا وإفريقيا وأوروبا.
قسم مؤرخو العرب الأوائل العرب إلى ثلاثة أقسام هي: العرب البائدة والعرب العاربة والعرب المستعربة.
العرب البائدة:
يراد بالعرب البائدة تلك القبائل العربية التي كانت تعيش في الجزيرة العربية منذ أقدم العصور، ثم اندثرت لسبب من الأسباب. وقد اشتهرت من بينها أمتان جاء ذكرهما في القرآن الكريم عدة مرات، وقصّ علينا القرآن الكريم أن هاتين الأمتين ـ وهما عاد وثمود ـ قد أهلكهما الله سبحانه وتعالى، فاندثرت عاد بعد أن أرسل الله عز وجلّ عليها ريحًا صرصرًا عاتية، استمرت سبع ليال وثمانية أيام حسوما، وبذلك فني معظمهم بعد تلك الأعاصير التي أرسلها الله عليهم بسبب كفرهم. ولم يبق من هؤلاء سوى من نجىّ الله كما جاء في قوله تعالى: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودًا والذين آمنوا معه برحمة منّا، ونجيناهم من عذاب غليظ﴾ هود: 58. وبسبب ذلك العذاب اندثرت عادٌ إلا من آمن فإنه بقي وانتشر في أنحاء مختلفة من الجزيرة العربية.
أما ثمود فقد أرسل الله سبحانه وتعالى إليهم رسوله صالحًا عليه السلام، ولكنهم كفروا بما بلغهم به من آيات الله، فأهلكهم الله بالطاغية واندثروا في الجزيرة العربية.
وبالإضافة إلى هاتين المجموعتين، هناك قبائل أخرى من العرب البائدة هي طَسَم وجَدِيس والعماليق وجُرْهم الأولى وغيرها، وكل هذه القبائل لم تبق منها بقية في الجزيرة العربية، ومن بقي منها انتشر في البلاد دون أن يبقى له أثر.
العرب العاربة:
تنتمي العرب العاربة إلى يعرب بن قحطان، وهؤلاء هم الذين أطلق عليهم مؤرخو العرب القحطانيين، كما سمّوهم أيضا اليمنيين أو عرب الجنوب. وكان موطنهم الأصلي في جنوبي الجزيرة العربية، ولكن لظروف مختلفة ـ منها الجفاف وانهيار سد مأرب والبحث عن مكان أفضل ـ هاجر كثير من قبائلهم إلى أنحاء مختلفة من شبه الجزيرة. ومن أهم فروعهم الرئيسية حِمْير وكهلان، وهما أبناء يعرب بن قحطان. ومن هذه الفروع الرئيسية تفرعت سائر القبائل اليمنية مثل حِمْير وطَيِّء وجُهينة وبلي وغيرها من القبائل اليمنية الأخرى.
العرب المستعربة:
ظهرت العرب المستعربة عندما رحل سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى مكة المكرمة مع زوجته هاجر، وهناك وهبهما الله سيدنا إسماعيل عليه السلام. ولما كبر إسماعيل تزوج من العرب العاربة وهي جُرْهم الثانية، وسُمي نسله العرب المستعربة أو المتعرِّبة.
ويطلق على العرب المستعربة أيضًا العدنانيون والنزاريون والمعْديون، وكلها أسماء للدلالة عليها. ومن قبائلهم قريش وعبس وفزارة وربيعة ومُضَر وغيرها.
يرى بعض المؤرخين أن هناك صلة بين العرب البائدة وقدماء المصريين؛ ويتقصون ذلك التقارب في لغة قدماء المصريين واللغة العربية، إذ تتميز كل منهما بخصائص اللغات السامية. ونظرًا لوجود هذا التقارب بين خصائص اللغتين قيل إن بعض القبائل العربية البائدة وغيرها قد هاجرت في الماضى البعيد إلى مصر.
لم تتوقف رحلات العرب إلى مصر قبل الإسلام؛ إذ كانوا يقومون بها في تجاراتهم وتجوالهم وهجراتهم. ومن بين المشاهير الذين زاروا مصر قبل الإسلام الصحابي الجليل والقائد العربي الشهير عمرو بن العاص، الذي فتح مصر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وأخذ في نشر الدين الإسلامي مع إخوانه من المجاهدين.
حياة العرب قبل الإسلام:
كان العرب قبل الإسلام يعبدون الأوثان، وكان لكل قبيلة صنم أو أكثر يعبدونه من دون الله، كما كانت هناك أعداد من الأوثان في مكة المكرمة حول الكعبة. وكانت قريش ترعى هذه الأصنام وتُبقي عليها؛ إذ كانت تتزعم الوثنية، كما كانت تتزعم الحركة التجارية. وكانت لها قوافل تجارية تعبر الجزيرة العربية شمالاً إلى الشام وجنوبًا إلى اليمن، وكانت راعية السلع التجارية بين المحيط الهندي والشعوب الأوروبية القديمة، وكان العرب يحبون الشعر ويتغنون به، فأقاموا له الأسواق الأدبية، والمنابر الخطابية. ويقال إنهم علَّقوا المعلقات السبع على أستار الكعبة اعترافًا بجودتها، وسموها المذهَّبات لأنها كتبت بماء الذهب على ماقِيل. ومع هذه النهضة الأدبية من شعر وخطابة إلا أن التعليم لم يكن منتشرًا بين الناس، وقل عدد الذين كانوا يعرفون الكتابة والقراءة باللغة العربية.
الدلالة الدينية
يشير المصطلح إلى الحالة التي لا يلتزم بها الناس بدين الإسلام، أي أن هذا المصطلح ليس خاصاً بالعرب قبل الإسلام بل يشمل الشعوب غير المسلمة. كما استعمل هذا المصطلح للدلالة على المسلمين الذين ابتعدوا عن الدين الإسلامي بمفهومه الشامل. ويكثر هذا المصطلح استعمالا في أدبيات محمد بن عبد الوهاب و سيد قطب (يسمي عدم الالتزام الصحيح بالكتاب والسنة: "جاهلية القرن العشرين").
عصر الجاهلية:
تسمى فترة ماقبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية بعصر الجاهلية، وهي كلمة لم تكن معروفة لدى العرب قبل الإسلام، ولكنها وردت في بعض سور القرآن الكريم المدنية ـ منها سور آل عمران والمائدة والأحزاب والفتح. وتحمل كلمة الجاهلية كثيرًا من المعاني التي تعني التعارض مع تعاليم الدين الإسلامي، مثل الجهل بوحدانية الله، والكفر بها والتعصب وعدم الامتثال إلى المثل العليا التي يدعو إليها الإسلام وعدم الوحدة أو الاحتكام إلى العقل أو اتِّباع أحكام القرآن الكريم.
ولما كان العرب قبائل متفرقة، فلم تأبه بهم أو تهابهم الدول الكبيرة المجاورة لهم مثل إمبراطورية فارس أو الإمبراطورية البيزنطية حتى جاء الإسلام، الذي غيَّر أحوالهم غير الحال التي كانوا عليها.
الحضور الديني قي الأشعار
يُعَدُّ المديح في الشعر العربي من الأغراض الرئيسية التي تشغل مكانًا بارزًا في إنتاج الشعراء منذ العصر الجاهلي إلى يومنا هذا. وتدور معاني المدح في الشعر حول تمجيد الحي، مثلما تدور معاني الرثاء حول تمجيد الميت. ولكن هذا العُرف الأدبي يختلف نوعًا ما في مجال المديح النبوي.
وإذا تتبعنا تاريخ المديح النبوي ـ وإن لم يعرف بهذا المصطلح في هذه الفترة ـ نجده بدأ في حياة النبي حينما مدحه الشعراء، ومجّدوا دعوته وأخلاقه، ويأتي في مقدمة هؤلاء الشعراء شاعره حسان بن ثابت، وبعض الشعراء الآخرين الذين ذكرهم التاريخ بقصيدة واحدة مثل الأعشى وكعب بن زهير. وعندما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى رثاه الشعراء وبكوه، ولكنهم لم يخرجوا عن الخط العام للمدح والرثاء في الشعر العربي؛ لأنه ³ مدح في حياته ورثي بعد وفاته مباشرة.
وقد عدت المدائح النبوية غرضًا شعريًا قائمًا بذاته، لأن هناك من الشعراء من وقفوا أنفسهم عليها ولما يتجاوزوها إلى أغراض الشعر الأخرى. وكان من أشهر أولئك النفر من الشعراء في المشرق أبو زكريا الصرصري (ت 656هـ)، الذي يقول في الرسول:
ياخاتم الرسْـل الكرام وفاتح الـ خيرات يامتواضــعًا شَمَّاخـا
ياخير من شدَّ الرَّحال لقصده حادي المطيِّ وفي هواه أناخا
وكذلك بلغ الشاعر اليمني عبد الرحيم البرعي (ت803 هـ) شأنًا عاليًا في مديح الرسول الكريم ³ وديوانه معروف ومشهور. يقول:
بمحمَّدٍ خَـطَرُ المحامـد يعظمُ
وعقــود تيجــان العقـود تنظَّـمُ
وله الشفاعة والمقام الأعظم
يوم القلوب لدى الحناجر كُظَّمُ
فبحقّه صَلـَّوا عليه وسلـِّموا
وأما في الأندلس فقد كان أبو زيد الفازازي (ت627هـ) مُقَدَّمًا في هذا المجال، وله مجموعة شعرية في المدائح النبوية سمَّاها الوسائل المتقبَّلة وهي مخمسات على الحروف الهجائية. يقول في المخمس النوني عن الرسول :
بدا قمرًا مسراه شرق ومغربُ
وخُصَّت بمثواه المدينة يثرب
وكان له في سُـدّة النـور مضـرب
نجيٌّ لـربِّ العـالمين مقــرب
حبيب فيدنو كل حين ويُسْتَدْنى
وكذلك كان ابن جابر الأندلسي (ت 780 هـ) ممن وقفوا أنفسهم على مدح الرسول وله ديوان سماه العقدين في مدح سيد الكونين.
وقد تحولت المدائح النبوية إلى مصطلح أدبي ونمط شعري ازدهر وانتشر في العصر المملوكي، وتحديدًا في القرن السابع الهجري، حيث لجأ الشعراء إلى استرجاع السيرة النبوية والتغني بالشمائل التي تميز بها الرسول ³. وقد عُرفت القصائد التي نظمت في هذا المجال بقصائد المديح النبوي.