المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المعرفة


عثمان 223
04-04-2009, 11:08 AM
المعرفة
حسين محمد بافقيه
في لسان العرب: «الرفاهة والرفاهية»: رغد الخصب ولين العيش.
هذا ما تقوله اللغة التي قرنت «الرَّفه» بالراحة واللين والترف، وكانت هذه المفردة في أول أمرها، محوطة بغير قليل من الاستهجان، في مجتمع كان توًّا يتألف ويتكون، وفي أوضاع اقتصادية حادة، ألقت بظلالها على أوضاع المعيشة، وفرضت رؤيتها على الثقافة وتجلياتها الأدبية، فالمجتمع العربي في الصدر الأول من الإسلام، كان أميل إلى التقشف والبعد عن مظاهر الترف واللين والرفاهية، هذه المفردات التي بدت غريبة ومستهجنة أمام ثقافة تريد أن تبني العقل والجسم على ما هو متاح من ضروب العيش التي كانت شحيحة للغاية، ومن خلال الموارد التي تنسجم والأحوال المناخية والاقتصادية لذلك المجتمع.
وما دام وضع المجتمع العربي على ذلك النحو، فلابد من أن تصدر وصاياه الدينية والاجتماعية والثقافية من معين يظاهر حالة «التقشف» التي كانت وسيلة تربوية لبناء الفرد العربي المسلم وأصبح ما يخالف هذه الحالة هدفًا للنقد والاستهجان وبدت صورة الشاب الجَلْد المقاتل النموذج الذي يحتذى، خصوصًا أن ثقافة القوم مبنية آنذاك على قيم الفروسية والنبل، وهي تلك القيم التي تتعارض مع «الرفاهية» وقيمها التي بدت معزولة عن الأوضاع العامة في مجتمع الجزيرة العربية.
ولأمر ما كانت صورة «الرفاهية» مقترنة بالفُرْس، ومرد الأمر يسير، فالفُرس في ذلك الأوان أنموذج للشاهنشاهية المرادفة للترف والرياء والبطر، وقد بلغت من المدى التاريخي اللحظات الأخيرة من عمر دولتهم، وكان الطابع الاجتماعي في فارس يقوم على تراتب طبقي مهين، يقرن الرفاهية والترف بطبقة بعينها، وتقوم الطبقات الدنيا بتحقيق ذلك القدر من الرفاهية للطبقة المتنفذة، وهو الأمر الذي لم يكن لتعرفه الدولة العربية، حتى ذلك الحين، تلك الدولة التي لم تكن أحد ليستطيع أن يفرق بين الخليفة الراشد ورعيته، بل إن نفرًا من الرعية كانوا أكثر مالاً وأنعم حياة. ومن الطريف أن يحار الحجاج بن يوسف ـ وقد غدت الدولة لعهده مُلْكًا ضروسًا ـ في أمر وليمة أولمها في اختتان أحد أولاده، فلم يكن منه إلا أن استشار بعض دهاقين الفرس يسأله عن أعظم ما يفعله ملوك فارس ومترفوها!
غير أن الآباء يشقون من أجل رفاه الأبناء. هذه المقولة تصدق في التربية، كما تصدق في السياسة وبناء الدول، فدونك الصدر الأول من عمر الدولة العربية الراشدة، وانظر بعد ذلك إلى شأن الدولة الأموية، وما أعقبها من دول وإمارات ـ تر الفارق بين جيل الآباء المؤسسين، والأبناء الذين كرعوا من مباهج الحياة، وعبّوا منها ما شاء لهم الرفه والترف، وبات النموذج العُمري صعب التطبيق، فالزمان غير الزمان، والدولة غير الدولة، وقد استكملت عُدتها، وعرفت الفارق بين «الخليفة» و«الإمبراطور».
ولما كان من شأن الدولة والمجتمع ما هو معروف ومأثور في التاريخ العربي والإسلامي، كان للأموال المكدسة من الذهب والفضة أثرها، كان لابد أن تطل ثقافة «الرفاهية والترفيه» برؤوسها على كل أحد، سواء القادرون أو المعدمون، وأن تبرز من خلال ذلك مدوّنة ضخمة تصف أدبيات هذه الثقافة، وسلوك متعاطيها، أو يقف نفر من الزهاد والمتصوفة أو الجائعين في طريق هذه الثقافة بمدونة تقطع عليها الطريق، وتلقي بالثبور وعظائم الأمور في وجه كل من عرف، ولو من بعيد، طعم الرفاهية أو ما يظنه رفاهية، وكسبت الثقافة العربية من كلٍّ ثراء وعُمقًا كان من فصوله المائعة تلك الكتب التي تصف مجالس الأنس والرفاهية، وتشرع لتلك المجالس بأدبيات طريفة وعجيبة، نجد طرفًا منها في «عيون الأخبار» لابن قتيبة، و«العقد الفريد» لابن عبد ربه، و«الموشى» للوشاء، و«المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفّاء وتأليف أبي منصور الثعالبي وغيره من المؤلفين الذي ارتبطوا ببلاط الخلفاء والولاة، أو تلك المواقف الحادة التي فزعت من الدنيا وكل ما اقترن بها من صنوف الرفاهية والترفيه، فكان من ذلك أدب رفيع لطائفة من الزهاد والمتصوفة كالإمام أحمد بن حنبل، وأبي إسحاق الحربي، وبشر الحافي.
الفنون هبة الفراغ
واقترن الترفيه بالمدينة، حيث الاستقرار الذي تتمخض عنه أوقات الفراغ، هذه القيمة العجيبة صانعة الإبداع والفنون والآداب، فالفن، كما يميل إلى ذلك فلافسته، نشأ في حضن أوقات الفراغ، هذه القيمة التي تعد هبة الحضارة والمدنية، وكانت الفنون في أساس نشأتها مقترنة بالترفيه ليس في ذلك شك، وما خبر النبيل المانح والشاعر المادح ببعيد عن ذهن كل من له صلة بالتراث العربي، فلولا الفراغ الذي يشعر به ذلك النبيل المانح ـ خليفة كان أو أميرًا ـ لما شاعت الفنون والآداب، ولما نفق سوق الشعراء والمثقفين. وإن المرء ليدهش حينما يقع على تلك المدونات الرائعة في التراث العربي القديم التي وقفت نفسها على إظهار البهجة والفرحة، حتى إنه ليصح القول: إن الثقافة العربية الإسلامية ثقافة تعشق الحياة وتتفنن في البحث عن مباهجها، ودونك كتب الأدب والسمر وانظر ماذا ترى؟ إنها أمة تعمل لآخرتها كأنها تموت غدًا، وتعمل لدنياها كأنها تعيش أبدًا.
وحينما حلت الآلة والمصنع وُلِدت المجتمعات الحديثة، وتقلصت الأوقات التي يقضيها العمال في المصانع، والموظفون في مكاتبهم، وبدأت الآلة تؤتي ثمارها، وأصبح إنسان العصور الحديثة أكثر ولعًا بمباهج الحياة ومفاتنها. وإلا هل يمكن تصور مدينة حديثة دون أن تكون مدينة مبتسمة مقبلة على الحياة، وكأنه صار لزامًا على المدينة الحديثة أن تكون مدينة «مرفهة» وأن تعلو الابتسامة على وجوه أبنائها، وأن يغدو «الترفيه» جزءًا أساسيًا في بنائها الاقتصادي والاجتماعي والتربوي، وهذا ما حدث بالفعل، حين جدّت على الثقافة الاجتماعية أوضاع جديدة جعلت ما كان عرضيًا في المجتمعات القديمة جوهريًا في المجتمعات الحديثة، وهذا ما يُحس به قراء المدن الحديثة، بدءًا من النشاطات السياحية، ومرورًا بالتردد على دور السينما وقاعات المسرح، وانتهاء بالتربية والتعليم، حيث أفلح «الترفيه» بأن يُعلم الطلاب والطالبات ما لم تستطع الطرق التربوية التقليدية أن تفعله، وغدا من المصطلحات الأثيرة في المحيط المدرسي والمنزلي مصطلح «التعليم بالترفيه». وهل هناك من رسالة أسمى وأجل من رسالة التربية والتعليم؟
الترفيه ثقافة
واستطاع الاقتصاد الحديث وهو في عمومه اقتصاد رأسمالي أن يجذر القيم الثقافية والاجتماعية له، ولعل أظهر قيمة للاقتصاد الرأسمالي هي قيمة «الاستهلاك» التي باتت سمة المجتمعات الحديثة، وفرضت قيمها الثقافية والاجتماعية على دول بأسرها ومجتمعات بكاملها، وساعدت الوسائط الإعلامية والآلة الإعلانية في تجذير القيم الاستهلاكية بحمولاتها النفسية الحادة التي تصيب المبرئين منها بمركبات النقص، بل والشعور بالتخلف والرجعية وشاع ذلك في محافل الشباب بوجه خاص، حيث ثقافة الفرح والبهجة، وحيث الموسيقا الصاخبة، والأزياء الخلابة، وحيث الإحساس الفائق بالجسد الذي تحول هو أيضًا إلى ثقافة قائمة بذاتها!
ولكن.. أين المشكلة؟
تبدو المشكلة بيّنة في استنساخ نموذج اجتماعي وقيمي بعينه، وجعله النموذج العالمي الذي يقاس تقدم المجتمعات به. هنا تصبح «أمركة» العالم حُلم الجائعين ـ اقتصاديًا واجتماعيًا ـ وتبدو الثقافة الأمريكية أكثر بهجة، وأكثر فرحًا، والأهم تصبح القيم الأمريكية، في السياسة والاقتصاد والاجتماع، قيمًا مثالية، وتتقلص القيم الثقافية والاجتماعية القومية. وكما هزم «الهمبرغر» و«البيبسي كولا» و«الجينز» ما يقابلها في ثقافات العالم؛ فإن القيم الأمريكية الأخرى ستجد الطريق ممهودًا لدحر كل ما يقابلها من قيم، دون النظر في الأحوال الاجتماعية والاقتصادية للأمم والشعوب الأخرى، التي لم تبلغ من التقدم التقني والرفاه الاقتصادي ما يخولها الاستمتاع بهذه الثقافة الاستهلاكية الجديدة، وحتى لو بلغت من التقدم ما يسمح لها أن تعب من الرفاهية ومباهجها ما تشاء، فإن لها ألا تتنكر لسحنات وجوه أبنائها وسمرتهم، أو أن يبلغ الظن بالشعوب اللاهثة أنه ليس لها من ثقافة سوى تلك الثقافة.
إن المشكلة الحقيقية تبدو في «الترفيه» حينما يغدو الثقافة المبتغاة والغاية التي لا تجاوزها غاية. يقول الباحث مصطفى حجازي في كتابه «حصار الثقافة بين القنوات الفضائية والدعوة الأصولية»: ليس المقصود هنا منع المتعة أو إلغاؤها؛ فهي حاجة إنسانية لا شك فيها كي يجد المرء توازنه، ويستعيد حيويته بعد العناء والكد. إنما النقد ينصب على تكريس المرح والتسلية كثقافة قائمة بذاتها، وكنمط من الوجود يقوم على مجرد الاستهلاك، واقتناص متع اللحظة الراهنة. المشكلة تبرز حين تقدم هذه الثقافة للشباب على أنها نمط الوجود المفضل؛ مما يقولب القيم والسلوكيات على حساب البناء والإعداد والإنجاز. وتبرز المشكلة حين يتم الربط الشرطي ما بين ثقافة المتعة وصورة الشباب المتمتع بالحيوية والفرح والانطلاق والتحلل من الأعباء والعناء، في حالة من اللهو وخفة الظل حتى العبثية. ذلك أن هذا الربط يدفع إلى الغرق في الراهنية دون ما عداها. ويرسخ صورة دنيا الحظوظ التي يجب الاستمتاع بها متعة التسلية والمرح والراهنية».
رفاهية في كل اتجاه
ولم تقتصر الرفاهية على فئات بعينها من المجتمع، كأن تكون فئة الشباب، ولكن الطريف أن تقترن الحياة الحديثة بالرفاهية، وخصوصًا ما أملاه عصر المعلوماتية على كل الناس من ضرورة التحلي منها بقدر ما. وغدت «الرفاهية» واجهة الأعمال المصرفية، والاتصال الهاتفي، بل أصبح ميزان الرقي والتقدم مرهونًا بمدى الإقبال على تقنية المعلومات في عالم يُعلي من شأن الرفاهية الإلكترونية التي كانت في يوم من الأيام أقرب رحمًا إلى الخيال العلمي، ولكنها اليوم غدت شأنًا يوميًا عاديًا، وأصبح عالمنا اليومي المعتاد فيما يذكر فرانك كيلش في كتابه «ثورة الإنفوميديا» مقترنًا بتلك الوسائط العجيبة، التي يتضح جانب منها في عالم المال والاقتصاد، فثمة مصارف بلا صرافين، وعقار إلكتروني، ونشر بلا ورق، وحكومات إلكترونية، وهو ما لا غنى عنه لإنسان المجتمعات الحديثة التي بلغت به الرفاهية أن جعل العالم كله تحت أطراف أصابعه، أو بالأصح «إصبعه»! وإلا فإنه ليس من المتصور أن يقودك حظك البائس لكي تخوض تجربة ما قبل عالم الاقتصاد الحديث، والثورة المعلوماتية، إذا ما جُلت في بلد لم يتعرف، بعد، الوسائط المعلوماتية ولا يزال مؤمنًا حتى اليوم بالاصطفاف في المطارات لكي يقطع المسافرون بطاقة الصعود إلى الطائرة أو يقضي المواطن وجه نهاره في المصرف لكي يسدد مبلغ مخالفة مرورية.
عميق.. ولكنه شعبي
ما الذي أنهته إلينا فلسفة المدن الحديثة؟
إنه لا مندوحة عن «الترفيه»، وإلا لا تصبح المدينة مدينة إلا على سبيل المجاز أو ما يقرب من المجاز. وما الذي يعنيه ذلك؟
أن نعترف بـ «الترفيه»، وألا نوارب القول حينما نتحدث عن مظاهر المدنية الحديثة التي نحيا فيها، ولا نحلم بما سواها، وأن ندرك أننا لا نستطيع إلا أن نعب من مباهج حياتنا المرفهة، وأننا لا نستطيع أن نعيش دون أن نحمل الكرة الأرضية كاملة في أجهزة هواتفنا الجوالة، وأنه لا صبر لنا على حياة ما قبل عصر المعلومات، عصر الرفاهية، وأن نتحرر من عقولنا التي تمدح الترفيه في الخفاء وتلعنه في العلن، والأهم أن نغذّ الخطى إلى الإفادة من نتاج الترفيه فيما هو أعمق وأبقى، لنكون على مبعدة من وصمة الاستهلاك السلبي للتقانة المعلوماتية، وألا نحصل من الحضارة الحديثة إلا على قشورها، وألا يقع شبابنا ـ بل وكبارنا كذلك ـ إلا على ما يسميه الباحث مصطفى حجازي «البلاغة الإلكترونية»، حيث عوالم الصخب والعنف تغلف سموات المدن البلاستيكية، وتحجب كل ما سواها.
ولكن كيف يتحقق «الترفيه» الذي نحبه لشبابنا؟
لا يتحقق ذلك فيما يبدو لي إلا إذا جعلنا «الترفيه» جزءًا من منظومة القيم التي نريد غرسها في المجتمع، وبخاصة الشباب منه، وهو ما يمكن أن تحققه الفنون والآداب والعلوم، فالمسرح مؤسسة ترفيهية، ولكنه مؤسسة لبث القيم الراقية وصناعتها لا شك في ذلك؛ ودور السينما وسيلة ترفيهية، ولكنها كذلك، مكوّن أساسي للتجربة الإنسانية، قس على ذلك الاحتفالات السياحية، والمتاحف والسيرك، ومعاهد تعلم الموسيقا، والرسم، والنحت، والتصوير، والمكتبات العامة، والمنتجعات السياحية، والألعاب الرياضية والذهنية المختلفة، وأندية الإنترنت والكتاب... إنها قد تبدو رفاهية عميقة، ولكن جرعات «مركزة» منها كفيلة بأن تحولها شعبية، كما يقول المثل الإيرلندي الدال: «أعط ما هو عميق حتى يصبح شعبيًا».
ثم لندرك أن ما كان «عرضيًا» في الماضي القريب أو البعيد، أصبح ـ بفضل الحضارة الحديثة ـ «جوهريًا»، ومن ذلك «الترفيه» فهو ملح الحياة الحديثة، ولنُخفف من قسوتنا على أنفسنا، وعلى شبابنا، ولنتعلم ثقافة حب الحياة، ولنرأف بشبابنا، فالشباب نعمة وليس خطيئة.
* في اللغة: الشباب: الفتاء،



[/URL] (http://www.moe.edu.kw/pages/sectors/07/03/010/3loom%20mstahlek/3lom_mstahlek/Farwanya%20Site_new/index.htm)
[URL="http://www.moe.edu.kw/pages/sectors/07/03/010/3loom%20mstahlek/3lom_mstahlek/Farwanya%20Site_new/8.htm"] (http://www.moe.edu.kw/pages/sectors/07/03/010/3loom%20mstahlek/3lom_mstahlek/Farwanya%20Site_new/8.htm)

ishak2009
04-05-2009, 10:54 AM
شكرا