كتكوتة الجزائر
04-07-2008, 04:39 PM
1-نـــــــشـــأتــه وحــــيــاتــه :
-مولده:
ولد عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس في ليلة الجمعة الرابع من شهر ديسمبر سنة 1889ميلادية في مدينة قسنطينة بالشرق الجزائري وكان الولد البكر لوالديه .
]-أبـــــــــوه :
ووالده هو السيد /مصطفى بن مكي بن باديس من حملة القرآن الكريم ومن أعيان مدينة قسنطينة وقد كان عضوا بالمجلس الجزائري الأعلى والمجلس العمالي لعمالة قسنطينة نائبا عن مدينة قسنطينة .وقد (( عرف دائما بدفاعه عن دعم مطالب السكان المسلمين بالعمالة القسنطينة )) .
-أمــــــه :
أما أمه فهي السيدة (( زهيرة بنت علي بن جلول )) من أسرة عبد الجليل المشهورة في قسنطينة بالعلم ،والجاه ،والثراء العريض .
-شهرته أسرته :
وعائلة عبد الحميد بن باديس عائلة مشهورة في الجزائر والمغرب العربي كله منذ قرون عديدة فقد لعبت دورا كبيرا في تاريخ المغرب الإسلامي سياسيا ،وعلميا ،ودينيا ،منذ القرن الرابع الهجري .وتولى إفراد منها السلطة فيه بعد انتقال مقر الخلافة الفاطمية من القيروان عاصمة إفريقيا والمغرب الأوسط ،إلى مصر في القرن الرابع الهجري . فقد اسند الخليفة الفاطمي (( المعز لدين الله )) السلطة على إفريقيا والمغرب الأوسط إلى الجد الأول لأسرة ابن باديس وهو الأمير (( بلكين بن زيري بن مناد )) المكني بأبي الفتوح والملقب (( سيف العزيز بالله )) وهو من قبيلة صنهاجة الامازيغية (( البربرية )) المشهورة في الجزائر والمغرب الإسلامي . ومن الرحالات هذه الأسرة المشهورين في التاريخ الذين كان يحلو للشيخ عبد الحميد بن بادي سان يفتخر بهم كثيرا (( المعز لدين الله بن باديس )) الذي عمل قبل نهاية حكمه على انفصال المغرب الإسلامي سياسيا ومذهبيا عن الخلافة الفاطمية بمصر ، وحارب الشيعة الرافضة في أفريقيا والمغرب الأوسط وقتل دعاتهم في سائر بلاد إفريقيا كما يقول ابن خلدون .وأخذ يحمل الناس على اعتناق المذهب المالكي السني ،ونبذ المذهب الشيعي الرافضي وقد نفذ هذا الانفصال بالفعل في حدود عام 443 هجرية على الأرجح وأصبح يدعو على منابر أفريقيا إلى الخليفة العباسي في بغداد (( القائم بأمر الله )) بدل الدعوة إلى الخليفة الفاطمي بالقاهرة كما كان العمل جاريا عليه في السابق . والمعروف إن الدولة الصنهاجية الامازيغية (( البربرية )) قد حكمت المغرب الإسلامي ما يقرب من 180عاما (من 362 إلى 543 هـ). -2تـــــعـــــــــلـــيمـــه :
وقد تلقى عبد الحميد بن باديس تعليمه على الطريق التقليدية فحفظ القران الكريم أولا وسنة يبلغ ثلاثة عشر عاما ،وكان المؤدب الذي حفظ عليه القران معجبا به إعجابا كبيرا نظرا لذكائه ،واستقامة خلقه ،وسيرته الطيبة ولذلك قدمه لإمامه المصلين في صلاة التراويح في شهر رمضان المعظم لمدة ثلاث سنوات متوالية في الجامع الكبير بمدينة قسنطينة . ولم يلتحق عبد الحميد بن باديس بالمدارس الفرنسية كغيره من ابناء العائلات الكبيرة في ذلك الوقت لان والده فضل إن يربيه تربية إسلامية خالصة . وبعد الانتهاء من حفظ القران الكريم وكان ذلك في عام 1903 اختار له والده أحد علماء مدينة قسنطينة المشهورين بالعلم والتقوى والصلاح (حمدان لونيسي ) كي يلقنه العلوم العربية والإسلامية فشرع يدرس له في مسجد سيدي محمد النجار الواقع بجانب جامع سيدي عبد المؤمن في مدينة قسنطينة وذلك في حدود عام 1903 . وفي عام 1908 عندما أصبح عمر عبد الحميد بن باديس تسعة عشر عاما أراد أن يستكمل تعليمه الثانوي والعالي فسافر إلى تونس في نفس العام للدارسة بجامع الزيتونة المعمور. وفي رحاب الجامع الأعظم كما كان يطلق عليه وقت قريب تفتح عقل ابن باديس وذهنه على أفاق واسعة من الثقافة الإسلامية واطلع على عدد وافر من الكتب والمصادر الهامة للدارسات الإسلامية والأدبية التي لم يعرفها في مسقط رأسه بقسنطينة . وقد أقبل على العلم بشغف كبير يعب منه عبا ،وعلى مطالعة الكتب خارج أوقات الدارسة إقبالا كبيرا حتى حصل خلال سنوات قلائل على زاد وافر من الثقافة الإسلامية في شتى فروعها ،والأدب العربي بمختلف فنونه . وقد مكث طالبا على العلم والتعليم في جامع الزيتونة مدة أربع سنوات نال في نهايتها شهادة (العالمية ) في العام الدراسي 1911 -1912 وعمره حينذاك ثلاثة وعشرون عاما .ثم مكث عاما خامسا في تونس قضاه مدرسا في جامع الزيتونة على عادة الطلبة المتخرجين في ذلك الوقت حيث يقضي الواحد منهم عاما للتدريس لطلبة الجامع الأعظم قبل إن يعود إلى بلاده ،وقد كان عبد الحميد بن باديس معروفا بين زملائه وأساتذته بالجد في العمل ،ولاجتهاد في تحصيل العلم ،والإقبال على دروسه ،كما كان مشهورا بين مخالطيه بالاستقامة ،والخلق السمح القويم ،وبالمواظبة على أداء الفرائض الدينية في أوقاتها ،والبعد عن مواطن ازلل والشبهات وكل مايشين الخلق ،والرجولة ،والشرف . 3-هوايات عبد الحميد ابن باديس
أمتلك والد عبد الحميد ثلاث سيارات على مدى حياة عبد الحميد. الأولى من نوع "تيركاميري" والثانية من نوع "دورلوني" ثم بعد ذلك غيّرها بسيارة من نوع "بيرلي" وكان له سائق خاص؟ ولا يحتاج عبد الحميد السيارة إلا لأجل التنزه في جبل الوحش والمريج وهي مناطق ساحرة فقدت للأسف سحرها بعد الاستقلال ويفضلها أبن باديس الذي يأخذ معه إخوته الصغار, فبينما يلعبون الكرة يغرق عبد الحميد في قراءة كتاب "العُروة الوثقى" لجمال الدين الأفغاني, كما يتوجه رفقة إخوته إلى منطقة الحوض والمونيمان مشيا على الأقدام حتى يصلوا إلى مسبح سيدي مسيد "جاف حاليا" .. وأحيانا يكتري (فيلا) في نواحي بلكور العاصمة ليقضي بها أياما رفقة العائلة دون أن يمارس السباحة في حياته, كما أنه لم يدخل ملعب كرة رغم أنه شارك في إنشاء نادي مولودية قسنطينة واختار له اللون الأبيض, ومع أنه يمارس الرياضة إلا أنه كان كثيرا ما يُسرحُ تلامذته أيام العُطل ليمارسوا الكرة والسباحة في المسبح الطبيعي "سيدي مسيد". 4-وفــــــــــــاتـــــــــــــــــه
لقد عاش الشيخ عبد الحميد بن باديس للفكرة والمبدأ ومات وهو يهتف (فإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والعرب) لم يحد عن فكرته ومبدئه قيد أنملة حتى آخر رمق من حياته، ولم يبال بصحته الضعيفة التي تدهورة كثيرا في السنتين الأخيرة من حياته، هذا هو ابن باديس الذي عرفته الجزائر عالما عاملا, وفقيها مجتهدا, ومربِّيا مخلصا, ومصلحا, وسياسيا, وإماما كان يقضي بياض نهاره وسواد ليله في خدمة دينه ولغته وبلاده. هذا هو الرجل الذي كان قلب الجزائر النابض, وروحها الوثابة وضميرها اليقظ, وفكرها المتبصر, ولسانها المبين, لم يضعف أمام هجمات الاستعمار المتتالية, ولم يستسلم لمناوراته وتهديداته, ولا للإغراءات والمساومات, بل بقي ثابتا على مبادئه صامدا حتى آخر حياته.
مساء يوم الثلاثاء 8 ربيع الأول سنة 1359 هـ ، الموافق 16 أبريل 1940م، على الساعة الثانية والنصف بعد الزوال أسلم ابن باديس روحه الطاهرة لبارئها، متأثرًا بمرضه بمسقط رأسه مدينة قسنطينة، وكان محاطا بوالده وشقيقه الأكبر (الزبير) والطبيب الفرنسي القادم من العاصمة "ليفي فالونزي" وابن خاله الطبيب القسنطيني الشهير "بن جلول", وقد مات رحمه الله ولم تكن في رأسه شعرة بيضاء واحدة.
ولما أعلن البرّاح في الناس خبر وفاته اهتزّت أوجاع تلاميذه ومساعديه في مهنة التعليم والمتاعب, وعندما شاع خبر وفاته في الجزائر بكاه أبناء الوطن بكاءا حارا كما بكاه عارفوه، ومقدرو علمه، وجهاده، في سبيل الجزائر والإسلام، والعروبة، في كل من المغرب وتونس وليبيا، والمشرق العربي والعالم الإسلامي.
وقد شيعت جنازته في اليوم التالي لوفاته الموافق عصر يوم الأربعاء 9 ربيع الأول سنة 1359 هـ ، الموافق 17 أبريل 1940م، وحمل جثمانه إلى مثواه الأخير طلبة الجامع الأخضر دون غيرهم وسط جموع غفيرة ما يزيد عن مائة ألف نسمة، جاءوا من كافة أنحاء القطر الجزائري لتوديعه الوداع الأخير، في حين كان عدد سكان قسنطينة آنذاك لا يتجاوز 50 ألف نسمة. وقد تولى أداء الصلاة على جنازته الشيخ العربي التبسي, كما تولى تأبينه كل من الشيخ مبارك الميلي والعربي التبسي والدكتور محمد الصالح بن جلول يجدر، ودفن في مقبرة آل باديس الخاصة في مدينة قسنطينة رغم وصيته التي أوصى فيها بدفنه في مقبرة شعبية عامة.
وقد تركت وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس فراغا كبيرا في صفوف الحركة الوطنية، وفي رجال الإصلاح الإسلامي في الجزائر وغيرها، وبين جماهير الشعب التي كانت تعتبره الزعيم المخلص، والوطني الغيور على دينه، ولغته، وشعبه، ووطنه، وعلى الإسلام والعروبة، بصفة خاصة وقد قال الشيخ الشهيد العربي بن بلقاسم التبسي في تأبينه في المقبرة ما يلي : "لقد كان الشيخ عبد الحميد بن باديس في جهاده وأعماله، هو الجزائر كلها فلنتجتهد الجزائر بعد وفاته أن تكون هي الشيخ عبد الحميد بن باديس".
هذا وحامت الأقاويل حول موته، فمن قائل مات مسموماً كما زعمت إذاعة ألمانيا "هنا برلين" يوم 09 ماي 1940 م على لسان "تقي الدين الهلالي" : "أن السلطات الفرنسية في الجزائر هي المسؤولة على وفاته، وقد ذكرت أنه مات مسموما على أيدي الفرنسيين، كما فعلوا بمعظم العلماء، الذين ما يزال بعضهم يعاني في ظلمات السجون، وأن الطغاة الفرنسيين أرادوا تسميمه، وقد قتلوا جميع الزعماء من قبله والشعب الجزائري اليوم يطالب لفديته، وسينتقم له عاجلا أو آجلا" وربما هذا ما يفسر اختفاء الشيخ العربي التبسي ووفاة الشيخ الميلي والطيب بأمراض مجهولة.
ومن قائل أنه مات بسبب مرض، فيقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي : "بعد استقراري في المنفى بأسبوع تلقيت الخبر بموت الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – بداره في قسنطينة بسرطان في الأمعاء كان يحس به وسنوات ويمنعه انهماكه في التعليم وخدمة الشعب من التفكير فيه وعلاجه... وكنت بدأت نذر الحرب تظهر وغيومها تتلبد أجتمع بالشيخ أبن باديس في داري بتلمسان فقررنا ماذا نصنع إذا قامت الحرب، وقررنا من يخلفنا إذا قبض علينا، قلّبنا وجوه الرأي في الاحتمالات كلها، وقدرنا لكل حالة حكمها، وكتبنا بكل ما اتفقنا عليه نسختين، ولكن كانت الأقدار من وراء تدبيرنا، فقبضه الله إليه".
كما أشار ابن جلول وهو من بين المأبنين البارزين للشيخ ابن باديس وابن خاله إلى مرض ابن باديس الذي ظل مجهولا حتى عند أقرب الناس إليه فيقول :"وبحكم مهنتي كطبيب تشرفت ببذل المعالجة له خلال مرضه الأخير, الذي قضى عليه ولم يرض بالتوجه إلي ومنحي ثقته لمعالجته إلا بعد أن فطنا له مرهق منذ عهد بعيد, وأن مشيه من مكتبه إلى الجمعية, إلى الجامع الأخضر قد أصبح مضنيا بالنسبة إليه, وقد بذلت ما في وسعي لكسب ثقته, وبذل الشفاء له, ويا أسفاه فالمرض قد كان يمخر جسمه شيئا فشيئا".
ويقول ابن جلول : أن ابن باديس بلغ منه التعب والإرهاق مبلغا جعله في آخر أيامه لا يقوى على تجاوز مسافة تقدر بمئتي متر على قدميه نظرا لتمكن المرض من جسمه النحيف المتهالك, فكان مرقده إلى جوار حجرة دروسه ولما أنهكه العيي, وهو الذي قاومه خمسين سنة, أذن لطلابه لأول مرة في حياته منحهم خمسة عشر يوما كعطلة بمناسبة المولد النبوي بعدما عرف عنه أنه لم يكن يقبل بأكثر من ثلاثة أيام كتوقف عن التحصيل, ولما أظهر طلابه المتعلقون به تعجبهم من هذا التسريح الذي يدوم نصف شهر, أجابهم بلغة يائسة وألم يمزق أحشاءه وحسرة تعتصر قلبه :"إنني متهالك... إنني مريض للغاية فاعذروني" فلم يعلن رجل كابن باديس أنه انهار فمعنى ذلك أن في الأمر ما يدفع إلى التساؤل عن كيفية الرعاية التي كان يحظى بها في مدينة قسنطينة وأعني بذلك الرعاية الصحية والغذائية والنفسية.
ومن قائل أنه مات موتة طبيعية، وهو ما يؤكده الأستاذ عبد الحق أخو الشيخ بن باديس : " كان ابن باديس نحيف الجسم، ولم يكن يُعطي لنفسه قسطا من الراحة، فيومه يبدأ مع صلاة الصبح، ولا ينتهي إلا في ساعة متأخرة من الليل، وهذا لمدة 25 سنة قضاها بأيامها ولياليها في التدريس والتفسير، وإلقاء المحاضرات ودروس الوعظ والإرشاد، والكتابة في الصحافة، وإدارة الأعمال الإدارية وكثرة السفر حيث كان يستقل قطار (قسنطينة – الجزائر) كل مساء أربعاء ليعود مساء كل جمعة, وزادت حصصه التدريسية اليومية لترتفع إلى ثلاث حصص في اليوم.. ومع أنه لم يكن يعاني من أي مرض حتى أنه لم يلبس في حياته نظارات طبية ولم يشتكي من تسوس أسنانه إلا أنه رقد في فراش المرض في 14 أفريل 1940 وعلى مدى ثلاثة أيام لم يستطع مغادرة فراشه فكان يقوم بتمريضه "من ضعفه وشحوبه" والده وشقيقته "بتول" طوال النهار ويتولى "عبد الحق" السهر معه ليلا، فالإرهاق والتعب والزهد في الحياة، وثقل المسئولية التي كانت يشعر بها تجاه الأمة الجزائرية هي السبب المباشر لوفاته عندما حان وقت تسليم الروح إلى خالقها".
- ولا يعلم الحقيقة إلا الله - وذلك شأن الناس عند موت كل عظيم.
-مولده:
ولد عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس في ليلة الجمعة الرابع من شهر ديسمبر سنة 1889ميلادية في مدينة قسنطينة بالشرق الجزائري وكان الولد البكر لوالديه .
]-أبـــــــــوه :
ووالده هو السيد /مصطفى بن مكي بن باديس من حملة القرآن الكريم ومن أعيان مدينة قسنطينة وقد كان عضوا بالمجلس الجزائري الأعلى والمجلس العمالي لعمالة قسنطينة نائبا عن مدينة قسنطينة .وقد (( عرف دائما بدفاعه عن دعم مطالب السكان المسلمين بالعمالة القسنطينة )) .
-أمــــــه :
أما أمه فهي السيدة (( زهيرة بنت علي بن جلول )) من أسرة عبد الجليل المشهورة في قسنطينة بالعلم ،والجاه ،والثراء العريض .
-شهرته أسرته :
وعائلة عبد الحميد بن باديس عائلة مشهورة في الجزائر والمغرب العربي كله منذ قرون عديدة فقد لعبت دورا كبيرا في تاريخ المغرب الإسلامي سياسيا ،وعلميا ،ودينيا ،منذ القرن الرابع الهجري .وتولى إفراد منها السلطة فيه بعد انتقال مقر الخلافة الفاطمية من القيروان عاصمة إفريقيا والمغرب الأوسط ،إلى مصر في القرن الرابع الهجري . فقد اسند الخليفة الفاطمي (( المعز لدين الله )) السلطة على إفريقيا والمغرب الأوسط إلى الجد الأول لأسرة ابن باديس وهو الأمير (( بلكين بن زيري بن مناد )) المكني بأبي الفتوح والملقب (( سيف العزيز بالله )) وهو من قبيلة صنهاجة الامازيغية (( البربرية )) المشهورة في الجزائر والمغرب الإسلامي . ومن الرحالات هذه الأسرة المشهورين في التاريخ الذين كان يحلو للشيخ عبد الحميد بن بادي سان يفتخر بهم كثيرا (( المعز لدين الله بن باديس )) الذي عمل قبل نهاية حكمه على انفصال المغرب الإسلامي سياسيا ومذهبيا عن الخلافة الفاطمية بمصر ، وحارب الشيعة الرافضة في أفريقيا والمغرب الأوسط وقتل دعاتهم في سائر بلاد إفريقيا كما يقول ابن خلدون .وأخذ يحمل الناس على اعتناق المذهب المالكي السني ،ونبذ المذهب الشيعي الرافضي وقد نفذ هذا الانفصال بالفعل في حدود عام 443 هجرية على الأرجح وأصبح يدعو على منابر أفريقيا إلى الخليفة العباسي في بغداد (( القائم بأمر الله )) بدل الدعوة إلى الخليفة الفاطمي بالقاهرة كما كان العمل جاريا عليه في السابق . والمعروف إن الدولة الصنهاجية الامازيغية (( البربرية )) قد حكمت المغرب الإسلامي ما يقرب من 180عاما (من 362 إلى 543 هـ). -2تـــــعـــــــــلـــيمـــه :
وقد تلقى عبد الحميد بن باديس تعليمه على الطريق التقليدية فحفظ القران الكريم أولا وسنة يبلغ ثلاثة عشر عاما ،وكان المؤدب الذي حفظ عليه القران معجبا به إعجابا كبيرا نظرا لذكائه ،واستقامة خلقه ،وسيرته الطيبة ولذلك قدمه لإمامه المصلين في صلاة التراويح في شهر رمضان المعظم لمدة ثلاث سنوات متوالية في الجامع الكبير بمدينة قسنطينة . ولم يلتحق عبد الحميد بن باديس بالمدارس الفرنسية كغيره من ابناء العائلات الكبيرة في ذلك الوقت لان والده فضل إن يربيه تربية إسلامية خالصة . وبعد الانتهاء من حفظ القران الكريم وكان ذلك في عام 1903 اختار له والده أحد علماء مدينة قسنطينة المشهورين بالعلم والتقوى والصلاح (حمدان لونيسي ) كي يلقنه العلوم العربية والإسلامية فشرع يدرس له في مسجد سيدي محمد النجار الواقع بجانب جامع سيدي عبد المؤمن في مدينة قسنطينة وذلك في حدود عام 1903 . وفي عام 1908 عندما أصبح عمر عبد الحميد بن باديس تسعة عشر عاما أراد أن يستكمل تعليمه الثانوي والعالي فسافر إلى تونس في نفس العام للدارسة بجامع الزيتونة المعمور. وفي رحاب الجامع الأعظم كما كان يطلق عليه وقت قريب تفتح عقل ابن باديس وذهنه على أفاق واسعة من الثقافة الإسلامية واطلع على عدد وافر من الكتب والمصادر الهامة للدارسات الإسلامية والأدبية التي لم يعرفها في مسقط رأسه بقسنطينة . وقد أقبل على العلم بشغف كبير يعب منه عبا ،وعلى مطالعة الكتب خارج أوقات الدارسة إقبالا كبيرا حتى حصل خلال سنوات قلائل على زاد وافر من الثقافة الإسلامية في شتى فروعها ،والأدب العربي بمختلف فنونه . وقد مكث طالبا على العلم والتعليم في جامع الزيتونة مدة أربع سنوات نال في نهايتها شهادة (العالمية ) في العام الدراسي 1911 -1912 وعمره حينذاك ثلاثة وعشرون عاما .ثم مكث عاما خامسا في تونس قضاه مدرسا في جامع الزيتونة على عادة الطلبة المتخرجين في ذلك الوقت حيث يقضي الواحد منهم عاما للتدريس لطلبة الجامع الأعظم قبل إن يعود إلى بلاده ،وقد كان عبد الحميد بن باديس معروفا بين زملائه وأساتذته بالجد في العمل ،ولاجتهاد في تحصيل العلم ،والإقبال على دروسه ،كما كان مشهورا بين مخالطيه بالاستقامة ،والخلق السمح القويم ،وبالمواظبة على أداء الفرائض الدينية في أوقاتها ،والبعد عن مواطن ازلل والشبهات وكل مايشين الخلق ،والرجولة ،والشرف . 3-هوايات عبد الحميد ابن باديس
أمتلك والد عبد الحميد ثلاث سيارات على مدى حياة عبد الحميد. الأولى من نوع "تيركاميري" والثانية من نوع "دورلوني" ثم بعد ذلك غيّرها بسيارة من نوع "بيرلي" وكان له سائق خاص؟ ولا يحتاج عبد الحميد السيارة إلا لأجل التنزه في جبل الوحش والمريج وهي مناطق ساحرة فقدت للأسف سحرها بعد الاستقلال ويفضلها أبن باديس الذي يأخذ معه إخوته الصغار, فبينما يلعبون الكرة يغرق عبد الحميد في قراءة كتاب "العُروة الوثقى" لجمال الدين الأفغاني, كما يتوجه رفقة إخوته إلى منطقة الحوض والمونيمان مشيا على الأقدام حتى يصلوا إلى مسبح سيدي مسيد "جاف حاليا" .. وأحيانا يكتري (فيلا) في نواحي بلكور العاصمة ليقضي بها أياما رفقة العائلة دون أن يمارس السباحة في حياته, كما أنه لم يدخل ملعب كرة رغم أنه شارك في إنشاء نادي مولودية قسنطينة واختار له اللون الأبيض, ومع أنه يمارس الرياضة إلا أنه كان كثيرا ما يُسرحُ تلامذته أيام العُطل ليمارسوا الكرة والسباحة في المسبح الطبيعي "سيدي مسيد". 4-وفــــــــــــاتـــــــــــــــــه
لقد عاش الشيخ عبد الحميد بن باديس للفكرة والمبدأ ومات وهو يهتف (فإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والعرب) لم يحد عن فكرته ومبدئه قيد أنملة حتى آخر رمق من حياته، ولم يبال بصحته الضعيفة التي تدهورة كثيرا في السنتين الأخيرة من حياته، هذا هو ابن باديس الذي عرفته الجزائر عالما عاملا, وفقيها مجتهدا, ومربِّيا مخلصا, ومصلحا, وسياسيا, وإماما كان يقضي بياض نهاره وسواد ليله في خدمة دينه ولغته وبلاده. هذا هو الرجل الذي كان قلب الجزائر النابض, وروحها الوثابة وضميرها اليقظ, وفكرها المتبصر, ولسانها المبين, لم يضعف أمام هجمات الاستعمار المتتالية, ولم يستسلم لمناوراته وتهديداته, ولا للإغراءات والمساومات, بل بقي ثابتا على مبادئه صامدا حتى آخر حياته.
مساء يوم الثلاثاء 8 ربيع الأول سنة 1359 هـ ، الموافق 16 أبريل 1940م، على الساعة الثانية والنصف بعد الزوال أسلم ابن باديس روحه الطاهرة لبارئها، متأثرًا بمرضه بمسقط رأسه مدينة قسنطينة، وكان محاطا بوالده وشقيقه الأكبر (الزبير) والطبيب الفرنسي القادم من العاصمة "ليفي فالونزي" وابن خاله الطبيب القسنطيني الشهير "بن جلول", وقد مات رحمه الله ولم تكن في رأسه شعرة بيضاء واحدة.
ولما أعلن البرّاح في الناس خبر وفاته اهتزّت أوجاع تلاميذه ومساعديه في مهنة التعليم والمتاعب, وعندما شاع خبر وفاته في الجزائر بكاه أبناء الوطن بكاءا حارا كما بكاه عارفوه، ومقدرو علمه، وجهاده، في سبيل الجزائر والإسلام، والعروبة، في كل من المغرب وتونس وليبيا، والمشرق العربي والعالم الإسلامي.
وقد شيعت جنازته في اليوم التالي لوفاته الموافق عصر يوم الأربعاء 9 ربيع الأول سنة 1359 هـ ، الموافق 17 أبريل 1940م، وحمل جثمانه إلى مثواه الأخير طلبة الجامع الأخضر دون غيرهم وسط جموع غفيرة ما يزيد عن مائة ألف نسمة، جاءوا من كافة أنحاء القطر الجزائري لتوديعه الوداع الأخير، في حين كان عدد سكان قسنطينة آنذاك لا يتجاوز 50 ألف نسمة. وقد تولى أداء الصلاة على جنازته الشيخ العربي التبسي, كما تولى تأبينه كل من الشيخ مبارك الميلي والعربي التبسي والدكتور محمد الصالح بن جلول يجدر، ودفن في مقبرة آل باديس الخاصة في مدينة قسنطينة رغم وصيته التي أوصى فيها بدفنه في مقبرة شعبية عامة.
وقد تركت وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس فراغا كبيرا في صفوف الحركة الوطنية، وفي رجال الإصلاح الإسلامي في الجزائر وغيرها، وبين جماهير الشعب التي كانت تعتبره الزعيم المخلص، والوطني الغيور على دينه، ولغته، وشعبه، ووطنه، وعلى الإسلام والعروبة، بصفة خاصة وقد قال الشيخ الشهيد العربي بن بلقاسم التبسي في تأبينه في المقبرة ما يلي : "لقد كان الشيخ عبد الحميد بن باديس في جهاده وأعماله، هو الجزائر كلها فلنتجتهد الجزائر بعد وفاته أن تكون هي الشيخ عبد الحميد بن باديس".
هذا وحامت الأقاويل حول موته، فمن قائل مات مسموماً كما زعمت إذاعة ألمانيا "هنا برلين" يوم 09 ماي 1940 م على لسان "تقي الدين الهلالي" : "أن السلطات الفرنسية في الجزائر هي المسؤولة على وفاته، وقد ذكرت أنه مات مسموما على أيدي الفرنسيين، كما فعلوا بمعظم العلماء، الذين ما يزال بعضهم يعاني في ظلمات السجون، وأن الطغاة الفرنسيين أرادوا تسميمه، وقد قتلوا جميع الزعماء من قبله والشعب الجزائري اليوم يطالب لفديته، وسينتقم له عاجلا أو آجلا" وربما هذا ما يفسر اختفاء الشيخ العربي التبسي ووفاة الشيخ الميلي والطيب بأمراض مجهولة.
ومن قائل أنه مات بسبب مرض، فيقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي : "بعد استقراري في المنفى بأسبوع تلقيت الخبر بموت الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – بداره في قسنطينة بسرطان في الأمعاء كان يحس به وسنوات ويمنعه انهماكه في التعليم وخدمة الشعب من التفكير فيه وعلاجه... وكنت بدأت نذر الحرب تظهر وغيومها تتلبد أجتمع بالشيخ أبن باديس في داري بتلمسان فقررنا ماذا نصنع إذا قامت الحرب، وقررنا من يخلفنا إذا قبض علينا، قلّبنا وجوه الرأي في الاحتمالات كلها، وقدرنا لكل حالة حكمها، وكتبنا بكل ما اتفقنا عليه نسختين، ولكن كانت الأقدار من وراء تدبيرنا، فقبضه الله إليه".
كما أشار ابن جلول وهو من بين المأبنين البارزين للشيخ ابن باديس وابن خاله إلى مرض ابن باديس الذي ظل مجهولا حتى عند أقرب الناس إليه فيقول :"وبحكم مهنتي كطبيب تشرفت ببذل المعالجة له خلال مرضه الأخير, الذي قضى عليه ولم يرض بالتوجه إلي ومنحي ثقته لمعالجته إلا بعد أن فطنا له مرهق منذ عهد بعيد, وأن مشيه من مكتبه إلى الجمعية, إلى الجامع الأخضر قد أصبح مضنيا بالنسبة إليه, وقد بذلت ما في وسعي لكسب ثقته, وبذل الشفاء له, ويا أسفاه فالمرض قد كان يمخر جسمه شيئا فشيئا".
ويقول ابن جلول : أن ابن باديس بلغ منه التعب والإرهاق مبلغا جعله في آخر أيامه لا يقوى على تجاوز مسافة تقدر بمئتي متر على قدميه نظرا لتمكن المرض من جسمه النحيف المتهالك, فكان مرقده إلى جوار حجرة دروسه ولما أنهكه العيي, وهو الذي قاومه خمسين سنة, أذن لطلابه لأول مرة في حياته منحهم خمسة عشر يوما كعطلة بمناسبة المولد النبوي بعدما عرف عنه أنه لم يكن يقبل بأكثر من ثلاثة أيام كتوقف عن التحصيل, ولما أظهر طلابه المتعلقون به تعجبهم من هذا التسريح الذي يدوم نصف شهر, أجابهم بلغة يائسة وألم يمزق أحشاءه وحسرة تعتصر قلبه :"إنني متهالك... إنني مريض للغاية فاعذروني" فلم يعلن رجل كابن باديس أنه انهار فمعنى ذلك أن في الأمر ما يدفع إلى التساؤل عن كيفية الرعاية التي كان يحظى بها في مدينة قسنطينة وأعني بذلك الرعاية الصحية والغذائية والنفسية.
ومن قائل أنه مات موتة طبيعية، وهو ما يؤكده الأستاذ عبد الحق أخو الشيخ بن باديس : " كان ابن باديس نحيف الجسم، ولم يكن يُعطي لنفسه قسطا من الراحة، فيومه يبدأ مع صلاة الصبح، ولا ينتهي إلا في ساعة متأخرة من الليل، وهذا لمدة 25 سنة قضاها بأيامها ولياليها في التدريس والتفسير، وإلقاء المحاضرات ودروس الوعظ والإرشاد، والكتابة في الصحافة، وإدارة الأعمال الإدارية وكثرة السفر حيث كان يستقل قطار (قسنطينة – الجزائر) كل مساء أربعاء ليعود مساء كل جمعة, وزادت حصصه التدريسية اليومية لترتفع إلى ثلاث حصص في اليوم.. ومع أنه لم يكن يعاني من أي مرض حتى أنه لم يلبس في حياته نظارات طبية ولم يشتكي من تسوس أسنانه إلا أنه رقد في فراش المرض في 14 أفريل 1940 وعلى مدى ثلاثة أيام لم يستطع مغادرة فراشه فكان يقوم بتمريضه "من ضعفه وشحوبه" والده وشقيقته "بتول" طوال النهار ويتولى "عبد الحق" السهر معه ليلا، فالإرهاق والتعب والزهد في الحياة، وثقل المسئولية التي كانت يشعر بها تجاه الأمة الجزائرية هي السبب المباشر لوفاته عندما حان وقت تسليم الروح إلى خالقها".
- ولا يعلم الحقيقة إلا الله - وذلك شأن الناس عند موت كل عظيم.