.محمد
08-11-2011, 01:00 PM
المبحث الأول: مــــولد فاطمة الزهــــــــــــــــراء رضي الله عنها.
هي فاطمة بنت سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم - أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف- القرشية الهاشمية أمها خديجة بنت خويلد أولى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها،واتفقت المصادر في مجملها على تاريخ مولد سيدتنا الزهراء رضي الله عنها حيث ولدت وقريش تبني البيت قبل النبوة بخمس سنين¹.
كما ذكر أن مولد فاطمة الزهراء كان حوالي العام العاشر من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بخديجة رضي الله عنها وكان ذلك العام عام إعادة بناء الكعبة الشريفة وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة الحجر الأسود في مكانه بعد أن ارتضته قريش وقالت: هذا الأمين محمد بن عبد الله رضينا بحكمه، وكان عمر النبي صلى الله عليه وسلم عام ذاك خمسة و ثلاثين عاما .²وبذلك كان مولدها بشرى لحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم وأمنا خديجة رضي الله عنها وقد احتفلا بها احتفالا عظيما في مكة .
ولفاطمة الزهراء رضي الله عنها أربع أخوات و ثلاث إخوة قد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:«كان أول من ولد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل النبوة القاسم، وبه كان يكنى، ثم ولدت له زينب ثم رقية ثم فاطمة ثم أم كلثوم ثم ولدت له في الإسلام عبد الله فسمي الطيب والطاهر وأمهم كلهم خديجة رضي الله عنها وكان أول من مات من ولده القاسم ثم عبد الله ماتا بمكة»، فقال العاص بن وائل السهمي: « قد انقطع ولده فهو أبتر» فأنزل الله تعالى ″إن شانئك هو الأبتر″³ .
أما إبراهيم فهو من ماريه القبطية - رضي الله عنهما - وقد اختلف في بنات النبي صلى الله عليه وسلم أيتهن أكبر فقد اضطرب مصعب و الزبير في بنات النبي صلى الله عليه وسلم أيتهن أكبر وأصغر اضطرابا، يوجب ألا يلتفت إليه في ذلك والذي تسكن إليه النفس والذي تواترت به
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابن الجوزي : صفة الصفوة، ج1،دار الجيل،الطبعة1،1992،بيروت،ص338.¹
احمد خليل جمعة: نساء أهل البيت في ضوء القرآن و الحديث، اليمامة للطباعة و النشر، ط 6 ،2005، ص551. ²
³ شهاب الدين النويري :نهاية الأرب في فنون الأدب ،ج18 ،دار الكتب العلمية ،ط1 ،2004 ،بيروت – لبنان،ص138.
الأخبار في ترتيب بنات الرسول صلى الله عليه وسلم أن زينب الأولى، ثم الثانية رقية، ثم الثالثة أم كلثوم ،ثم الرابعة فاطمة الزهراء، الله أعلم.¹
فزينب رضي الله عنها- ولدت في سنة ثلاثين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم²، وتزوجت رضي الله عنها من ابن خالتها أبي العاص ابن الربيع³.
وﺫكر في سبب وفاتها أنها لما لحقت بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فتعرضا لها رجلان من المشركين أحدهما يدعى . هبار بن الأسود فدفعها أحدهما فسقطت على صخرة فبقيت متأثرة بجروحها حتى ماتت رضي الله عنها.
وأما رقية فقد ولدت و الرسول صلى الله عليه و سلم ابن ثلاث و ثلاثين سنة4. وتزوجت رقيـــــة قبل الإســلام بعتبة بن أبي لهب- ثم افترقا - وتزوجها فيما بعد عثمــــان بن عفان رضي الله عنهما بمكة ثم هاجرت إلى ارض الحبشـــة معه. ذكر سبب موتــــــها أنها أصابتها الحصبة و دفنت و الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر.
وأما أم كلثوم رضي الله عنها فقد ولدت قبل فاطمة رضي الله عنها، ذكر أنها كانت هي الأخرى متزوجة بعتيبة بن أبي لهب قبل الإسلام ثم تزوجت بعثمان رضي الله عنه بعد وفاة رقية رضي الله عنها ، و توفيت رضي الله عنها في شعبان من السنة التاسعة للهجرة وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه :«لو كانت عندنا ثالثة لزوجناكها يا عثمان»5.
وبهذا تكون الزهراء قد نشأت وحيدة تقريبا في بيت النبوة بين أطهر قلبين قلب أبيها محمد صلى الله عليه وسلم و قلب أمها خديجة رضي الله عنها في جو من التقوى و الأيمان في بيت مليء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ ابن عبد البر:الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج4، دار الجيل، ط 1، 1992، بيروت، ص 1893.
² شهاب الدين النويري :نفس المرجع،ص 140.
³ عائشة عبد الرحمن كتراجم سيدات بيت النبوة، رضي الله عنهن، دار الكتاب العربي، بيروت، ص 577.
4 شهاب الدين النويري :المصدر السابق، ص141.
5 نفسه :ص142
بالصلوات و التسبيحات،فكانت تسمع آيات القرآن الكريم تتلى في سائر الأوقات،فحظيت الزهراء بالحب والعطف والرحمة وتربت على يد أحب خلق الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه الله عز وجل :﴿إَنَكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
و كانت ذات وقار و حياء وسليلة شرف لا يدانى صافية السريرة ساكنة النفس .قوية كبيرة القلب حتى رعت النبي صلى الله عليه وسلم وسهرت على راحته و حنت عليه خاصة بعد وفاة أمها خديجة رضي الله عنها.حتى دعاها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضوان الله عليهم ״أم النبي أو أم أبيها".
ويندرج سبب التسمية تحت أراء ونقاط أهمها: أولا:كانت أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت وحدها في البيت النبوي بعد وفاة أمنا وأمها خديجة رضوان الله عليها،فتولت رعايته صلى الله عليه وسلم و قضاء حوائجه والسهر عليه وتفقد أحواله الشريفة.ثانيا:كان سيدنا و حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعامل فاطمة رضي الله عنها معاملة الأم الرؤوم ويخصها بالزيارة عندما يكون خارج المدينة المنورة و يبدأ بها، و كان يسّر بها سرورا عظيما ويجد فيها صورة أمه آمنة وزوجه خديجة.فكنّاها ״أم أبيها"وهو صلى الله عليه وسلم لا يهب الألقاب عبثا وإنما هي حكمة نبوية تزن الأمور في الميزان والقسطاس المستقيم. ثالثا:كان عقب النبي صلى الله عليه وسلم من فاطمة الزهراء رضي الله عنها و كان يحب أحفاده منها حبا شديدا و لعلّ هذا السبب هو الذي جعلها تحظى بلقب أم أبيها.¹
كما عرفت الزهـراء رضي الله عنها بألقاب وأسماء عديدة حصـرها المصنفون في تسع: ( فاطمة، الصديقة، المباركة، الطاهرة، الزكية،الراضية،المرضية،المحدثة،الزهراء.)
و عن سبب تسميتها بفاطمة لأنها فطمت عن النار.فقد روى الديّلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه والحاكم عن سيدنا علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« إنما سميت فاطمة لأن الله فطمها وحجبها عن النار». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد خليل جمعة:المرجع السابق، ص553.¹
والجدير بالذكر أن فاطمة ليست الأولى التي أطلق عليها هذا الاسم فهناك فاطمة بنت أسد أم علي ابن أبي طالب وفاطمة بنت الخطاب وفاطمة بنت عتبة، و الفواطم من الصحابيات - كما ذكر-أنهم عشرون رضي الله عنهن.
وما ورد عن تلقيبها بالصديقة عن عمرو بن دينار قال: « قالت عائشة رضي الله عنها ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة غير أبيها.قال وكان بينهما شيء فقالت: يا رسول الله سلها فإنها لا تكذب»¹.
و أما سبب تسميتها بالزهراء لأنها كانت حسناء، بيضاء اللون. كما أريد بها إشراق نور إيمانها و إضاءته على نور غيرها.
ومصطلح الزهراء تأنيث الأزهر وهو النير المشرق من الألوان وأراد به إشراق نور إيمانها و إضاءته على نور غيرها.²
وإضافة لهذا فقد لقبت الزهراء رضي الله عنها بالبتول لأن الله عز و جل قطعها عن النساء حسنا و فضلا و شرفا أو لانقطاعها إلى الله عز و جل و ذكر الزبيدي في تاج العروس أنها لقبت بالبتول تشبيها بمريم ابنة عمران في المنزلة عند الله تعالى. و قال ثعلب:«سميت بالبتول لانقطاعها عن نساء زمانها و عن نساء الأمة فضلا و دينا و حسبا و عفافا و هي سيدة نساء العالمين و قد سميت كل من مريم وفاطمة بالبتول لانقطاعهما عن نساء زمانهما فضلا و دينا و عن الدنيا إلى الله تعالى³.»
و قد خصت السيدة فاطمة رضي الله عنها بجملة من المكارم ميزتها عن نساء العالمين فهي ابنة سيد خلق الله وحبيبنا و حبيب الله محمد صلى الله عليه وسلم شفيع هذه الأمة وأمها سيدة نساء العالمين خديجة رضي الله عنها أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه والتي جاءها جبريل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحافظ أبي نعيم الأصفهاني : تهذيب حلية الأولياء و طبقات الأصفياء،ج1،المكتب الإسلامي، ط1 ،1998،بيروت ،ص271.¹
أحمد خليل جمعة:المرجع السابق، ص449.²
نفسه :ص ص 554،553.³
عليه السلام - ليبلغها السلام من عند السلام وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
وزوجها أمير المؤمنين وأحد المبشرين بالجنة علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم:« أنت مني وأنا منك» ¹، وولداها سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين ريحانتا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحب أحفاده إليه.
وهي نفسها سيدة نساء العالمين في زمانها وسيدة نساء أهل الجنة فرضي الله عنها ورضي عنهم جميعا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ أخرجه البخاري (4251).
المبحث الثاني:مكانة فاطمة الزهراء عند النبي صلى الله عليه وسلم
لقد نشأت فاطمة الزهراء رضي الله عنها - كما ذكر آنفا- وحيدة تقريبا في بيت النبوة بعد زواج أخواتها مما كان سببا في علو مكانتها لدى النبي صلى الله عليه وسلم .فقد كان يحبها حبا شديدا لكونها أصغر بناته ويكرمها ويسر إليها ويفرح لفرحها ويغضب لغضبها.
فعن إسماعيــل القاضي: حدثنا إسحاق الغروي: حدثنــا عبد الله بن جعفر الزهري عن جعفر بن محمد عن عبيد الله بن أبي رافع عن المسور بن مخرمة قال:قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما فاطمة شجنة مني، يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها» وفي حديث آخر عن إسحاق بن أبي قسيط عن محمد عن بن أسامة عن أبيه سئل النبــــي صلى الله عليه وسلم« أي الــــناس أحب إليكة؟ قال: فاطمة».¹
فقد كانت فاطمة تقوم بمشاق البيت النبوي لوحدها خاصة عند موت أمها خديجة رضي الله عنها .حيث رعت النبــــي صلى الله عليه وسلم ،وعملت على خدمته و راحته وحنت عليه و برت به .حتى كناها صلى الله عليه وسلم" بأم أبيها" وبذلك زاد حب النبــــي صلى الله عليه وسلم لها.ووردت أحاديث عديدة تؤكد ذلك فعن بريدة قال: «كان أحب النساء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فاطمة و من الرجال علي»².كما روى عن سيدنا علي رضي الله عنه قال:«سألت الرسول صلى الله عليه وسلم فقلت :أيان أحب إليك أنا أو فاطمة؟ قال :فاطمة أحب إلي منك و أنت أعز إلي منها»³، وفي حديث آخرعن المسور بن مخرمة قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني.»4
كما ذكر ابن عبد البر- رحمه الله - ميزة عظيمة لفاطمة الزهراء رضي الله عنها تشير إلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹شمس الدين الذهبي:سير أعلام النبلاء،ج 2 ،مؤسسة الرسالة للطباعة و النشر و التوزيع،ط،2001،11 ،لبنان بيروت ص ص 132.133.
²نفسه،ص131.
³علية مصطفى مبارك:صحابيات مجاهدات، مكتبة السلام الجديدة،دار البيضاء،ص98.
4احمد خليل جمعة : المرجع السابق،ص602.
فضلها و مكانتها قال :«كان الرسول عليه الصلاة و السلام إذا قدم من غزو أو سفر بدأ بالمسجد وصلى فيه ركعتين ثم يأتي فاطمة ثم يأتي أزواجه¹»
و قد كان النبي عليه الصلاة والسلام يفرح فرحا شديدا عندما تزوره فاطمة رضي الله عنها.
فعن عائشة بنت طلحة ،عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما قالت:«ما رأيت أحدا كان أشبه كلاما و حديثا برسول الله عليه الصلاة والسلام من فاطمة و كانت إذا دخلت عليه قام إليها ،فقبل و رحب بها ، وكذلك كانت هي تصنع به وكان يخشى على فاطمة ،من متاع الدنيا الزائل» فعن ثوبان قال :«دخل الرسول صلى الله عليه وسلم على فاطمة و أنا معه، و قد اخذ من عنقها سلسلة من ذهب فقالت: هذه أهداها لي أبو الحسن. فقال :يا فاطمة،أيسرك إن يقول الناس هذه فاطمة بنت محمد و في يدها سلسلة من نار، ثم خرج . فاشترت بالسلسلة غلاما فأعتقته، فقال النبي:الحمد الله الذي نجا فاطمة من النار »²
واستمر حب الرسول صلى الله عليه وسلم لفاطمة الزهراء حتى بعد زواجها بل ازداد أكثر و لم يحتمل بعدها عنه، فحول فاطمة إلى جواره و اسكنها منزلا من بيوت الحارثة بن نعمان رضوان الله عليه.
إضافة إلى ذلك فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصا على فاطمة رضي الله عنها من أن تفتن في دينها ، حيث أن علي خطب بنت أبي جهل، فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم من ابنته رضي الله عنها غضب لذلك غضبا شديدا ،عن المسور بن مخرمة انه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول:« إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي ابن أبي طالب فلا آذن لهم ،ثم لا إذن لهم ،،ثم لا إذن لهم ،إلا إن يحب بن أبي طالب أن يطلق ابنتي و ينكح ابنتهم ،فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها » وفي رواية مسلم :«واني لست لا احرم حالا و احل حراما ، ولكن و الله لا تجتمع بنت رسول الله و بنت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ابن عبد البر:المصدر السابق، ص1895.
²أبو عمار محمود المصري:صحابيات حول الرسول صلى الله عليه وسلم،مكتبة الصفا،ط1،2005،ص 272.
عدو الله مكانا واحدا أبدا»¹.
وروي أنه«ذات ليلة كان بين علي و فاطمة كلام،فاقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم و على وجهه ظلال الغضب، فألقى له مثالا فاضطجع عليه،فجاءت فاطمة فاضطجعت من جانب ،و جاء علي واضطجع من جانب،فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم فوضعها على سرته،واخذ بيد فاطمة و وضعها على سرته ،و لم يزل حتى أصلح بينهما.ثم خرج فقيل له:دخلت وأنت على حال وخرجت ونحن نرى البشر في وجهك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:وما يمنعني وقد أصلحت بين أحب اثنين إلي»².
وازداد حب النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة وعلي أكثر،عندما ولدت رضي الله عنها الحسن والحسين فكانا أحب أحفاده إليه حتى قال فيهم عليه السلام رضي الله عنهم في حديث عن عائشة رضي الله عنها:"اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا."
وعن أبي سعيد:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا يبغضنا أهل البيت أحد، إلا ادخله الله النار."³
كما روي في حديث آخر في حب النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة وأسرتها«عن أبي هريرة قال:نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي و فاطمة والحسن والحسين فقال :أنا حرب لمن حاربكم سلم لمن سالمكم».4
ورغم حب النبي صلى الله عليه وسلم العظيم لفاطمة رضي الله عنها فإنه كان من ناحية تطبيق أحكام المولى عز ّو جّل عادلا حتى على أحب الناس إليه وهذا ما حدث في قصة المرأة المخزومية (فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية)التي سرقت حليا وجاء أسامة بن زيد ليشفع لها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: «يا أسامة لا تشفع في حد فانه إذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹أبو عمار محمود المصري:المرجع السابق،ص ص 271.270.
²عبد العزيز الشناوي :نساء الصحابة شركة شهاب للنشر و التوزيع ،،989باب الواد الجزائر،ص157.
³شمس الدين الذهبي:المصدر السابق،ص ص123.122.
4نفسه،ص 122.
انتهى إلي لم يكن فيه مترك ولو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».¹
فهذا الحديث العظيم يدل على عدل حبيبنا صلى الله عليه وسلم من جهة وعن مكانة فاطمة عنده عليه الصلاة والسلام, فأين نحن من هــذا؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ابن عبد البر :المصدر السابق،ص 1892.
المبحــــث الثــــالث : فاطمة الزهراء وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
في الوقت الذي ظلت فيه قريش غارقة في ظلمات الجهل والكفر ،كان النبي صلى الله عليه وسلم-وقد قارب الأربعين سنة محبا للخلوة والعزلة- يذهب لغار حراء في جبل النور، آخذا معه الزاد- وهو غار على مبعدة نحو ميلين من مكة، وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع عرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع من ذراع الحديد¹- ممضيا وقته عليه الصلاة والسلام في التفكير والتأمل بمشاهد الكون متسائلا عما وراءها من قدرة مبدعة متحسرا على عقائد الشرك والضلال التي كانت تعيشها قريش.
وما كان هذا إلا بداية لأمر عظيم شاءه المولى عزّ وجلّ لمحمد صلى الله عليه وسلم، لتكون هذه العزلة تمهيدا لتأدية رسالة إيمانية نورانية للناس كافة. ولما بلغ حبيبنا صلى الله عليه وسلم الأربعين سنة قد بدت علامات النبوة تظهر عليه ظهورا واضحا، فكان لا يرى رؤية إلا وجاءت كفلق الصبح.
وحدث الأمر العظيم بداية نزول الوحي عليه الصلاة والسلام بواسطة جبريل عليه السلام .ولن نجد أحسن من حديث عائشة رضي الله عنها التي روت ما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت: »أول ما بدا به الرسول من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء، و كان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه،- و هو تعبد الليالي ذوات العدد - قبل أن ينزع إلي أهله و يتزود إلى ذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاء الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. فقال: اقرأ . قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية. حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني. فقال: « اقْرَأ باسْمِ رَبِكَ الَّذِي خَلَق ﴿1﴾ خَلَقَ الإنْسَانَ مِن عَلَق ﴿2﴾ اقْرَأ ورَبُكَ الأكْرَم» العلق (1-2 )، فرجع بهــــــا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹صفى الرحمن المباركفوري:الرحيق المختوم،دار البيان العربي ،ط 19، 1428هـ -2007،المدينة المنورة،ص 74.
رسول صلى الله عليه وسلم ،يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: "زملوني زملوني"، زملوه حتى ذهب عنه الورع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر:" لقد خشيت على
نفسي." فقالت خديجة: كلا، و الله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم و تحمل الكل، و تكسب المعدوم ، و تقرى الضيف و تعين على نوائب الحق." فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي ابن عم خديجة، و كان امرءا قد تنصر في الجاهلية، و كان يكتب الكتاب العبراني، و يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب و كان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة:" يا ابن اعم. اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة:" يا ابن أخي ماذا ترى؟ فاخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة:" هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم :"أو مخرجي هم؟. فقال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، و إن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ". ثم لم ينشب ورقة إن توفي وفتر الوحي".¹ متفق عليه، رواه البخاري و مسلم.
و هكذا فقد كانت السيدة خديجة أول من آمن به حيث شاركته كل ما كان يواجهه من خطوب و أحداث مؤلمة فتواسيه. ومع استمرار نزول الوحي أياما أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أنه مكلف بتبليغ رسالة عظيمة لهداية الناس والخروج من الكفر والضلال، فبدأ عليه الصلاة والسلام دعوته سرا خوفا من أذى قريش. فكان أول من آمن به من الرجال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ،ومن النساء زوجته خديجة رضي الله عنها، ومن الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه²،و شاءت الأقدار إن تشهد فاطمة رضي الله عنها هذا التطور التاريخي في حياة أبيها صلى الله عليه و سلم، فأسلمت في سنواتها الأولى، و نشأت طاهرة بعيدة عن رجس الأوثان والبدع الضالة،متمسكة بدين الإسلام ــ الدين الذي خيره الله لعباده- لقوله تعالى«فأَقِم وجهَكَ للدِينِ حَنِيفًا،فِطْرَةُ اللهِ التِي فُطِرَ النَّاسُ عَلَيهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِينُ القَيِمُ، ولَكِنَ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلمُونَ».³
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ : سير ومواقف. رجال ونساء حول الرسول صلى الله عليه وسلم ، مكتبة الصفا دار البيان الحديثة،ط1 ،1426هـ -2006،القاهرة،ص 396.
² محمد شيب خطاب : ومضات من نور المصطفى صلى الله عليه وسلم،دار بوسلامة للطباعة والنشر و التوزيع،1983، تونس،ص 820.
³ سورة الروم :الآية 29،30.
ودامت دعوته السرية عليه السلام بمكة ثلاث سنوات¹، وبعد نزول قوله تعالى "فأصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين". بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله جهرا في عزم و قوة إيمان معارضا قريش فيما تقوم به من خرافات و عبادة أصنام داعيا إلى الدين الجديد دين الحق والنور مبشرا متبعيه بالجنة منذرا معارضيه بالنار غير مبال بأذى قريش،فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:انظروا قريشا كيف يصرف الله عني شتمهم و لعنهم، يشتمون مذمما،ويلعنون مذمما وأنا محمد."أخرجه البخاري. فقد كان صلى الله عليه وسلم يجد في القران تثبيتا ومن خديجة وفاطمة رضي الله عنهما سندا، كما وقف إلى جواره أصحابه رضوان الله عليهم ، فاظهروا إسلامهم غير مبالين هم أيضا باضطهاد قريش لهم ،فعن زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال:"إن أول من اظهر إسلامه سبع:رسول الله صلى الله عليه وسلم،أبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال ومقداد ،فأما رسول الله فمنعه الله بعمه أبي طالب ، وأما أبا بكر فمنعه الله بقومه ،وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أذراع الحديد وأوقفوهم في الشمس فما من أحد إلا وقد وأتاهم على ما أرادوا غير بلال فانه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأعطوه الولدان،فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول احد احد." ² حديث صحيح. ولما رأت قريش أن محمد صلى الله عليه وسلم لا يبال بهم وأن عمه أبا طالب يمنعه فذهب أشراف قريش إلى عمه فعن إسحاق قال:" مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب فقالوا :يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وظل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينك فانك على مثل مانحن عليه من خلافة فنكفكيه، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ، ومضى رسول صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله و يدعوا إليه »³.
وعندها بعث أبو طالب إلى ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم يكلمه قال ابن إسحاق:"وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة أن قريشا حين قالت لأبي طالب ما قالوا بعــــــث إلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹صفى الرحمن المباركفوري : المرجع السابق،ص 73.
² محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: السيرة النبوية،دار الكتب العلمية، ط 1،1981،بيروت لبنان،ص 137.
³ صفى الرحمن المباركفوري : المرجع السابق،ص93.
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوا إلي فقالوا:كذا وكذا، فابقي علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما ، لا أطيق فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه بداء وأنه خاذله ومسلمه، فقال:يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال:أقبل يا ابن أخي،فقال:اذهب فقل ما أحببت، فوا لله لا أسلمك أبدا»¹.
وبذلك ازداد عناد قريش وغيظها من قوله صلى الله عليه وسلم ففرضت على الرسول وبني المطلب وبني هاشم الحصار، وقطعت عنهم الأسواق و منعت عنهم الرزق.
ولم يكن يصلهم شيئا إلا سرا،وعندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم الأذى لحق بأصحابه أمرهم بالهجرة إلى الحبشة ومن آثار هذا الحصار أن توفيت خديجة رضي الله عنها في السنة العاشرة، وكذلك توفي عم النبي صلى الله عليه وسلم أبو طالب بعد نحو شهرين من وفاة خديجة رضي الله عنها²،فنالت قريش من النبي صلى الله عليه وسلم وانتقمت منه اشد انتقام فقد مات من كان يحميه من آذاهم، وسمي هذا العام عام الحزن.
ذكر القرآن الكريم والحديث الشريف الكفرة الذين سولت لهم أنفسهم إذاية النبي صلى الله عليه وسلم في مقدمتهم "أبو لهب بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام وأبي بن خلف والعاص بن وائل والنضر بن الحارث وأم جميل بنت حرب وعتبة بن الربيعة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف و غيرهم كثير".³ وكان أشدهم بطشا وظلما للنبي صلى الله عليه وسلم أبو لهب الذي قال فيه
الله عز وجل " تَبَت يَدَا أبِي لَهَبٍ."4 و قد عانت فاطمة رضي الله عنها كثيرا من آلام الحصار فقد أثر الجوع في صحتها فأصبحت نحيلة الجسم ، فكان يؤلمها ما كان يتعرض له أبوها صلى الله عليه وسلم من الأذى فقد ذكر أنها خرجت رضي الله عنها إلى الحرم فألفت أكابــــــــر المجرمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: المرجع السابق، ص85.
²محمد شيث خطاب : المرجع السابق،ص 18.
³ أحمد خليل جمعة: المرجع السابق،ص555.
4 سورة المسد: الآية 1.
متحلقين بزعامة أبي جهل و هم جالسون في الحجر، يتحدثون عن الإسلام وعن محمد صلى الله عليه وسلم والذين معه و جعلوا يتجاذبون أطراف الحديث فيما بينهم و قد سمعت الزهراء شيئا عن محاوراتهم الخبيثة، فكان مما قالوا:"إذا مر محمد فليضربه كل واحد منا ضربة" أسرعت فاطمة عليها سحابات الرضوان ودخلت على أبيها صلى الله عليه وسلم وقالت وهي تسترسل في البكاء:"تركت الملأ من قريش قد تعاقدوا في الحجر وحلفوا باللاتي ولعزى ومنات الثالثة الأخرى واسافة ونائلة إذا هم رأوك أن يقوموا إليك فيضربوك بأسيافهم فيقتلوك" ،فقال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لفاطمة في ثقة عظيمة بالله عز و جل:"يا بنية لا تبكي فإن الله تعالى مانع أباك." ¹
وقد كان لفاطمة رضي الله عنها مواقف جريئة مع كفار قريش أدهشتهم وبقيت راسخة في التاريخ، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس ،إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان فيضعها على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم فجاء به فنظر حتى سجد النبي صلى الله عليه وسلم و وضعه على ظهره بين كتفيه وأنا أنظر لا أغني شيئا لو كانت لي منعة، قال:فجعلوا يضحكون و يحيل بعضهم على بعض، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره فرفع رأسه ثم قال:"اللهم عليك بقريش."ثلاث مرات، فشق عليهم إذ دعا عليهم".²
وهناك موقف آخر لفاطمة يبين جرأتها و شجاعتها،موقف شهد له التاريخ. فذكر أنها"قد مرت ذات يوم بأبي جهل فإذا به يرميها بنظرة قاسية ثم يلطمها لاطمة قوية أظهر فيها كل بغضه و حقده لأبيها، وتتألم سيدتنا فاطمة الزهراء ألما شديدا لهذه اللطمة الحاقدة وتنظر إلى الرعديد أبي جهل الذي تطاول عليها فضربها ، فأبصرت فاطمة الزهراء أبا سفيان بن حرب و كان حاكما بقريش، فشكت إليه ما فعل النذل الجبان أبو جهل فإذا بأبي سفيان تأخذه حمية الحق فيرجع بفاطمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ أحمد خليل جمعة: المرجع السابق، ص557.
²ابو عمار محمود المصري: المرجع السابق،ص 260.
الزهراء إلى حيث يجلس أبو جهل ثم يقول: "لها الطميه قبحه الله ".
و تحقق أمنية الزهراء فاستجمعت قوتها و لطمت أبا جهل كما لطمها واقتصت لنفسها فإذا بأبي جهل ينكس رأسه خزيا و قد نزعت منه المهابة و جلله العار من أقدامه على هذه الفعلة المشينة الشنيعة. وذهبت فاطمة الزهراء رضوان الله عليها إلى أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم و قصت عليه القصص بما كان فقال صلى الله عليه وسلم:" اللهم لا تنساها لأبي سفيان"،و استجاب الله عز وجل للرسول الكريم دعوته وفتح على بصيرة أبي سفيان و قلبه فأسلم عام الفتح ¹.
فحقا فتاريخ فاطمة الزهراء زاهر حافل بمواقفها العظيمة فكانت سندا لأبيها محمدا صلى الله عليه وسلم ،فتحملت أعباء البعثة سنواتها الأولى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ أحمد خليل جمعة:المرجع السابق ،ص ص 559،558.
المبحــــث الرابـــع : فاطمة و وفاة أمها خديجة رضي الله عنهما.
ما إن خرج الرسول عليه الصلاة والسلام و بنو هاشم و المطلب من الشعب بعد ثلاثة أعوام من الحصار الذي عان فيه المسلمون آلام الجوع و الظلم- لكنهم صبروا واحتسبوا أمرهم إلى الله عز و جل فلم يزدهم هذا إلا إيمانا بالله و تمسكا بالرسول صلى الله عليه و سلم وبهذا الدين الجديد- حتى فوجئ النبي صلى الله عليه وسلم بمرض زوجه خديجة رضي الله عنها التي أثرت آلام الحصار على صحتها تأثيرا بليغا ألزمها الفراش ، فكانت ابنتاها فاطمة وأم كلثوم رضي الله عنهما تقومان برعايتها وتمريضها ولم تلبث سيدتنا خديجة رضي الله عنها أن توفيت في السنة العاشرة من النبوة ولها خمس و ستين سنة و رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمسين من عمره. ¹
فعن عائشة رضي الله عنها قالت:"توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة، و قيل كان موتها في رمضان ودفنت بالحجون، وقيل أنها عاشت خمسا و ستين سنة". وقال الزبير:" تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ولها أربعين سنة و أقامت معه أربع و عشرين سنة."²
بعد شهرين من وفاة خديجة رضي الله عنها، توفي عم النبي صلى الله عليه وسلم أبو طالب فتراكمت على الرسول عليه الصلاة و السلام الآلام والأحزان لفقد زوجه و عمه في نفس العام فسماه النبي عليه الصلاة و السلام بعام الحزن إكراما للطاهرة خديجة رضي الله عنها ولأنه لم يجد سبيلا لدعوته و تبليغ رسالته بمكة وما حولها فقد كان عمه يمنعه من قريش، كما كانت خديجة رضي الله عنها سكن النبي صلى الله عليه وسلم تشاركه أشق مراحل الدعوة وتؤازره وتواسيه فآمنت به و صدقته حين كفر به الناس، فرجاحة عقلها و حكمتها كانت تثبيتا لفؤاده عليه السلام حين جاءه الوحي، كانت تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظرة إكبار مقدرة قيمة رسالته السامية التي أخرجت المسلمين من الظلمات إلى النور حتى استحقت بكل جدارة أن يأتيها السلام من عند السلام ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"أتى جبريل النبي عليه السلام فقال: يا رسول ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ صفى الرحمن المباركفوري : المرجع السابق، ص 117.
² محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي:المرجع السابق، ص 158.
الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه أدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من
ربها و مني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب." متفق عليه أخرجه البخاري.¹
بقيت خديجة رضي الله عنها في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينسها و ظل يذكرها في مجالسه حتى بعد زواجه من عائشة.وقد ذكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حديثا يدل على مكانة الطاهرة خديجة رضي الله عنها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من الثناء عليها و الاستغفار لها فذكرها يوما فحملتني الغيرة فقلت:قد عوضك الله من كبيرة السن! فرأيته غضب غضبا أسقطت في خلدي وقلت في نفسي اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما لقيت قال:كيف قلت؟ ،و الله آمنت بي إذ كذبني الناس وآوتني إذ رفضني الناس ورزقت منها الولد وحرمتموني منه. قالت: فغدا وراح عليّ بها شهرا.» ²
فكان عليه السلام يحب من يحبها ويحب أن يرى ويسمع ممن يذكره بها و بأيامها العطرة. فعن هشام بن عروة عن أبيهما قال :" سمعت عبد الله بن جعفر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:خير نسائها مريم أبنت عمران وخير نسائها خديجة."³
ومن الدلائل الرائعة على وفائه لها ما حدث في غزوة بدر الكبرى حيث أسرى أبا العاص بن ربيع صهر الرسول الحبيب و زوج ابنته زينب ابنة خديجة، فأرسلت الوفية زينب فداء لزوجها أبي العاص ومن ضمن الفداء قلادة كانت لخديجة رضي الله عنها أعطتها إياها ليلة زفافها و عندما رآها صلى الله عليه وسلم تذكر زوجته الحبيبة خديجة وقال لأصحابه: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها قلادتها فافعلوا. فاستجاب أصحابه لذلك. 4
كانت فاطمة رضي الله عنها تتألم لوفاة أمها خديجة، وحزنه صلى الله عليه وسلم فقد فقدت ينبوع الحنان والعطف والمودة ولكنها لم تنسى مواقفها العظيمة مع أبيهــــــــا صلى الله عليه وسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ أبو عمار محمود المصري :المرجع السابق ،ص،ص 50،51.
²أحمد خليل جمعة:المرجع السابق،ص 710.
³ أبو عمار محمود المصري :المرجع السابق ،ص،ص 55.
4 نفسه:ص55.
فسارت على دربها تقتفي آثارها وتهتدي بهديها، كما وجدت فاطمة رضي الله عنها نفسها أمام مسؤوليات كبيرة نحو أبيها الذي زادت عليه أعباء الدعوة وأذى قريش فأخذت ترعى النبي صلى الله عليه وسلم وتسهر على راحته وتحنو عليه وتقف بجواره لتعوضه القليل عن أمها فسميت" بأم أبيها " ،كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لها الأب والأم وغمرها بحبه وحنانه فزاد تعلقها رضي الله عنها بأبيها صلى الله عليه وسلم فهو صاحب القلب الرحيم الذي لو قسمت رحمته على الناس لكفتهم جميعا فكيف مع أحب الناس إليه فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
المبحــــث الخامس: فاطمة الزهراء و أحداث هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
رغم إيذاء المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم ، و خاصة بعد وفاة خديجة رضي الله عنها و عمه أبي طالب ، واصل عليه الصلاة و السلام نشر دعوته ، حيث خرج صلى الله عليه وسلم إلى الطائف في شوال سنة عشر من النبوة ، و هي تبعد عن مكة نحو ستين ميلا، سارها ماشيا على قدميه جيئة و ذهابا ، و معه مولاه زيد بن حارثة ¹ ، وقد أقام بينهم عشرة أيام داعيا أشرافهم إلى الدين الجديد ، غير أنه قوبل بالرفض بل أكثر من ذلك فقد استهزؤوا به و آذوه و جعلوا سفهائهم و صغارهم يرمونه بالحجارة حتى دمت رجلاه . و كان زيد بن حارثة يحميه بنفسه حتى شجّ رأسه.
و أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يدعو دعائه المشهور «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي و قلة حيلة و هواني على الناس يا أرحم الرحمين، أنت رب المستضعفين، و أنت ربــــــي إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتهجمني ؟ أم إلي عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك علي غضب لا أبالي ، و لكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات و صلح عليه أمر الدنيا و الآخرة ، من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولاحول و لا قوة إلا بك»².
فعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة كئيبا مكسور الخاطر فاستقبلته ابنتاه فاطمة الزهراء وأم كلثوم رضي الله عنهما بحزن شديد ، فحكى لهما ما حدث معه في الطائف وما لحقه من أذى و يطمئناهما في الوقت نفسه لأن الله عز وجل معه و أنه بعد العسر يسر وسيأتي الفرج وينصر دينه لا محال.
عند اقتراب موسم الحج بدأ الناس يأتون إلى مكة من كل فج عميق، لقضاء فريضة الحج، فاستغل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الفرصة ،ودعاهم إلى الإسلام قبيلة قبيلة، وقال الزهري: «وكان ممن سمي لنا من القبائل الذين أتاهم الرسول صلى الله عليه وسلم ،ودعاهم وعرض نفسه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ صفى الرحمن المباركفوري : المرجع السابق، ص 125.
² نفسه:ص 125.
عليهم:بن عامر بن صعصعة،محارب بن خصفه،فزارةوفسان،مرة،حنيفة وسليم،عبس وبنو نصر،بنو البكاء،كندة،كلب،الحارث بن كعب وعذره والخصارمة فلم يستحب منهم أحد.» رواه الترمذي وأحمد.¹
للإشارة، هذه القبائل لم يعرض عليها الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام في موسم واحد أو سنة واحدة، ورغم ذلك رفض كل هذه القبائل لم ييأس عليه الصلاة والسلام واستمر في دعوته،ففي موسم الحج من السنة الحادية عشر للبعثة التقى النبي صلى الله عليه وسلم بنفر من عرب يثرب فعرض عليهم دعوته، فآمن منهم ستة كانوا سبب انتشار الإسلام في المدينة.ووعدوه
بمقابلته في موسم الحج القادم،فلما كان العام الثاني لقي إثنى عشر رجلا،منهم عشرة من الأوس واثنان من الخزرج.فآمنوا عند العقبة الثانية.²
بعد انتشار الإسلام في المدينة المنورة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين جميعا بالهجرة إليها، تجنبا لأذى المشركين، فهاجر المسلمون تسللا خوفا من أن تمنعهم قريش من ذلك، ولم يبق في مكة إلا القليل من المسلمين. ولما سمعت قريش بذلك خاف زعماءها من أن يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا وتقوى شوكته فتنتشر دعوته، فأجمعوا على قتله .ذكر ابن كثير:«اجتماع شياطين قريش في دار الندوة في يوم الزحمة و حكي ما كان بينهم وبين إبليس الذي تبدى لهم في صورة الشيخ النجدي،واستقر رأيهم على ما قاله جهل بن هشام:أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا،ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما،ثم يعمد إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه،فإنهم إن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدربنو مناف على حرب قومهم جميعا،فرضوا منا بالعقل ــ الدية ــ فعقلناه لهم فتفرق القوم على ذلك،وهم مجمعون له،فأتى جبرائيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له :لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. قال :فلما كانت عتمة من الليل، اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي،وتسجّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ صفى الرحمن المباركفوري : المرجع السابق، ص 129.
²محمد شيت خطاب:المرجع السابق،ص 19.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذ ينام.ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآيات«يَس﴿1﴾والقُرَآنُ الكَرِيم﴿2﴾» إلى قوله«وجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِم سَدًّا فَأَغْشَينَاهُم فَهُم لاَ يُبْصِرُونَ﴿9﴾» يس، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا،ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم .فقال:"ما تنتظرون ها هنا؟قالوا: محمدا،قال :خيبكم الله،قد والله خرج عليكم محمدا،ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا،وانطلق لحاجته،أفما ترون ما بكم؟قال:فوضع كل رجل منهم يدا على رأسه،فإذا عليه تراب،ثم جعلوا يتطلعون، فيرون عليّا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فيقولون:والله إن هذا لمحمد نائما على برده،فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا،فقام علي عن الفراش فقالوا:والله،لقد صدقنا الذي كان حدثنا.¹
وهكذا استطاع أن يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ويسلم من مكائد قريش بإذن ربّه عز وجلّ،وعند وصوله استقبله أهلها خير استقبال،فبني أول مسجد بها"قباء"وآخى بين الأوس والخزرج وكذلك المهاجرين والأنصار من جهة أخرى.
وفي هذه الأثناء كانت فاطمة الزهراء وأختها أم كلثوم رضي عنهما في البيت النبوي ومعهما سودة بنت زمعة التي خطبها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة رضي الله عنها.فبعث صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وأبا رافع لاصطحاب نساء البيت النبوي إلى المدينة،وذكر إسحاق رحمه الله في السيرة:«أنه في طريق الهجرة إلى المدينة المنورة لقيت فاطمة بعض الأذى ،فقد طارد بعض مشركي قريش الركب المهاجرة ولحق الحويرث بن نقيذ القرشي الركب ونخس بعير فاطمة وأم كلثوم،فرمى بهما إلى الأرض،وباء الحويرث بغضب من الله و رسوله.² واصلت فاطمة الزهراء رضي الله عنها الهجرة إلى المدينة المنورة رغم ما لاقته من أذى الحويرث بن نقيذ القرشي وعند وصولها استقبلها النبي صلى الله عليه وسلم بفرح شديد،فالتحقت بنساء المسلمين لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها بالمدينة المنورة.ولتكون مع فارس المسلمين حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أوفى زوجة في نساء العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ابن كثير: البداية و النهاية، ج 3، دار التقوى، شبر الخيمة، منشية الحرية:ص 213.
²أحمد خليل جمعة:المرجع السابق، ص 563.
هي فاطمة بنت سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم - أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف- القرشية الهاشمية أمها خديجة بنت خويلد أولى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها،واتفقت المصادر في مجملها على تاريخ مولد سيدتنا الزهراء رضي الله عنها حيث ولدت وقريش تبني البيت قبل النبوة بخمس سنين¹.
كما ذكر أن مولد فاطمة الزهراء كان حوالي العام العاشر من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بخديجة رضي الله عنها وكان ذلك العام عام إعادة بناء الكعبة الشريفة وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة الحجر الأسود في مكانه بعد أن ارتضته قريش وقالت: هذا الأمين محمد بن عبد الله رضينا بحكمه، وكان عمر النبي صلى الله عليه وسلم عام ذاك خمسة و ثلاثين عاما .²وبذلك كان مولدها بشرى لحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم وأمنا خديجة رضي الله عنها وقد احتفلا بها احتفالا عظيما في مكة .
ولفاطمة الزهراء رضي الله عنها أربع أخوات و ثلاث إخوة قد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:«كان أول من ولد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل النبوة القاسم، وبه كان يكنى، ثم ولدت له زينب ثم رقية ثم فاطمة ثم أم كلثوم ثم ولدت له في الإسلام عبد الله فسمي الطيب والطاهر وأمهم كلهم خديجة رضي الله عنها وكان أول من مات من ولده القاسم ثم عبد الله ماتا بمكة»، فقال العاص بن وائل السهمي: « قد انقطع ولده فهو أبتر» فأنزل الله تعالى ″إن شانئك هو الأبتر″³ .
أما إبراهيم فهو من ماريه القبطية - رضي الله عنهما - وقد اختلف في بنات النبي صلى الله عليه وسلم أيتهن أكبر فقد اضطرب مصعب و الزبير في بنات النبي صلى الله عليه وسلم أيتهن أكبر وأصغر اضطرابا، يوجب ألا يلتفت إليه في ذلك والذي تسكن إليه النفس والذي تواترت به
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابن الجوزي : صفة الصفوة، ج1،دار الجيل،الطبعة1،1992،بيروت،ص338.¹
احمد خليل جمعة: نساء أهل البيت في ضوء القرآن و الحديث، اليمامة للطباعة و النشر، ط 6 ،2005، ص551. ²
³ شهاب الدين النويري :نهاية الأرب في فنون الأدب ،ج18 ،دار الكتب العلمية ،ط1 ،2004 ،بيروت – لبنان،ص138.
الأخبار في ترتيب بنات الرسول صلى الله عليه وسلم أن زينب الأولى، ثم الثانية رقية، ثم الثالثة أم كلثوم ،ثم الرابعة فاطمة الزهراء، الله أعلم.¹
فزينب رضي الله عنها- ولدت في سنة ثلاثين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم²، وتزوجت رضي الله عنها من ابن خالتها أبي العاص ابن الربيع³.
وﺫكر في سبب وفاتها أنها لما لحقت بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فتعرضا لها رجلان من المشركين أحدهما يدعى . هبار بن الأسود فدفعها أحدهما فسقطت على صخرة فبقيت متأثرة بجروحها حتى ماتت رضي الله عنها.
وأما رقية فقد ولدت و الرسول صلى الله عليه و سلم ابن ثلاث و ثلاثين سنة4. وتزوجت رقيـــــة قبل الإســلام بعتبة بن أبي لهب- ثم افترقا - وتزوجها فيما بعد عثمــــان بن عفان رضي الله عنهما بمكة ثم هاجرت إلى ارض الحبشـــة معه. ذكر سبب موتــــــها أنها أصابتها الحصبة و دفنت و الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر.
وأما أم كلثوم رضي الله عنها فقد ولدت قبل فاطمة رضي الله عنها، ذكر أنها كانت هي الأخرى متزوجة بعتيبة بن أبي لهب قبل الإسلام ثم تزوجت بعثمان رضي الله عنه بعد وفاة رقية رضي الله عنها ، و توفيت رضي الله عنها في شعبان من السنة التاسعة للهجرة وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه :«لو كانت عندنا ثالثة لزوجناكها يا عثمان»5.
وبهذا تكون الزهراء قد نشأت وحيدة تقريبا في بيت النبوة بين أطهر قلبين قلب أبيها محمد صلى الله عليه وسلم و قلب أمها خديجة رضي الله عنها في جو من التقوى و الأيمان في بيت مليء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ ابن عبد البر:الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج4، دار الجيل، ط 1، 1992، بيروت، ص 1893.
² شهاب الدين النويري :نفس المرجع،ص 140.
³ عائشة عبد الرحمن كتراجم سيدات بيت النبوة، رضي الله عنهن، دار الكتاب العربي، بيروت، ص 577.
4 شهاب الدين النويري :المصدر السابق، ص141.
5 نفسه :ص142
بالصلوات و التسبيحات،فكانت تسمع آيات القرآن الكريم تتلى في سائر الأوقات،فحظيت الزهراء بالحب والعطف والرحمة وتربت على يد أحب خلق الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه الله عز وجل :﴿إَنَكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
و كانت ذات وقار و حياء وسليلة شرف لا يدانى صافية السريرة ساكنة النفس .قوية كبيرة القلب حتى رعت النبي صلى الله عليه وسلم وسهرت على راحته و حنت عليه خاصة بعد وفاة أمها خديجة رضي الله عنها.حتى دعاها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضوان الله عليهم ״أم النبي أو أم أبيها".
ويندرج سبب التسمية تحت أراء ونقاط أهمها: أولا:كانت أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت وحدها في البيت النبوي بعد وفاة أمنا وأمها خديجة رضوان الله عليها،فتولت رعايته صلى الله عليه وسلم و قضاء حوائجه والسهر عليه وتفقد أحواله الشريفة.ثانيا:كان سيدنا و حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعامل فاطمة رضي الله عنها معاملة الأم الرؤوم ويخصها بالزيارة عندما يكون خارج المدينة المنورة و يبدأ بها، و كان يسّر بها سرورا عظيما ويجد فيها صورة أمه آمنة وزوجه خديجة.فكنّاها ״أم أبيها"وهو صلى الله عليه وسلم لا يهب الألقاب عبثا وإنما هي حكمة نبوية تزن الأمور في الميزان والقسطاس المستقيم. ثالثا:كان عقب النبي صلى الله عليه وسلم من فاطمة الزهراء رضي الله عنها و كان يحب أحفاده منها حبا شديدا و لعلّ هذا السبب هو الذي جعلها تحظى بلقب أم أبيها.¹
كما عرفت الزهـراء رضي الله عنها بألقاب وأسماء عديدة حصـرها المصنفون في تسع: ( فاطمة، الصديقة، المباركة، الطاهرة، الزكية،الراضية،المرضية،المحدثة،الزهراء.)
و عن سبب تسميتها بفاطمة لأنها فطمت عن النار.فقد روى الديّلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه والحاكم عن سيدنا علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« إنما سميت فاطمة لأن الله فطمها وحجبها عن النار». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد خليل جمعة:المرجع السابق، ص553.¹
والجدير بالذكر أن فاطمة ليست الأولى التي أطلق عليها هذا الاسم فهناك فاطمة بنت أسد أم علي ابن أبي طالب وفاطمة بنت الخطاب وفاطمة بنت عتبة، و الفواطم من الصحابيات - كما ذكر-أنهم عشرون رضي الله عنهن.
وما ورد عن تلقيبها بالصديقة عن عمرو بن دينار قال: « قالت عائشة رضي الله عنها ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة غير أبيها.قال وكان بينهما شيء فقالت: يا رسول الله سلها فإنها لا تكذب»¹.
و أما سبب تسميتها بالزهراء لأنها كانت حسناء، بيضاء اللون. كما أريد بها إشراق نور إيمانها و إضاءته على نور غيرها.
ومصطلح الزهراء تأنيث الأزهر وهو النير المشرق من الألوان وأراد به إشراق نور إيمانها و إضاءته على نور غيرها.²
وإضافة لهذا فقد لقبت الزهراء رضي الله عنها بالبتول لأن الله عز و جل قطعها عن النساء حسنا و فضلا و شرفا أو لانقطاعها إلى الله عز و جل و ذكر الزبيدي في تاج العروس أنها لقبت بالبتول تشبيها بمريم ابنة عمران في المنزلة عند الله تعالى. و قال ثعلب:«سميت بالبتول لانقطاعها عن نساء زمانها و عن نساء الأمة فضلا و دينا و حسبا و عفافا و هي سيدة نساء العالمين و قد سميت كل من مريم وفاطمة بالبتول لانقطاعهما عن نساء زمانهما فضلا و دينا و عن الدنيا إلى الله تعالى³.»
و قد خصت السيدة فاطمة رضي الله عنها بجملة من المكارم ميزتها عن نساء العالمين فهي ابنة سيد خلق الله وحبيبنا و حبيب الله محمد صلى الله عليه وسلم شفيع هذه الأمة وأمها سيدة نساء العالمين خديجة رضي الله عنها أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه والتي جاءها جبريل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحافظ أبي نعيم الأصفهاني : تهذيب حلية الأولياء و طبقات الأصفياء،ج1،المكتب الإسلامي، ط1 ،1998،بيروت ،ص271.¹
أحمد خليل جمعة:المرجع السابق، ص449.²
نفسه :ص ص 554،553.³
عليه السلام - ليبلغها السلام من عند السلام وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
وزوجها أمير المؤمنين وأحد المبشرين بالجنة علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم:« أنت مني وأنا منك» ¹، وولداها سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين ريحانتا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحب أحفاده إليه.
وهي نفسها سيدة نساء العالمين في زمانها وسيدة نساء أهل الجنة فرضي الله عنها ورضي عنهم جميعا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ أخرجه البخاري (4251).
المبحث الثاني:مكانة فاطمة الزهراء عند النبي صلى الله عليه وسلم
لقد نشأت فاطمة الزهراء رضي الله عنها - كما ذكر آنفا- وحيدة تقريبا في بيت النبوة بعد زواج أخواتها مما كان سببا في علو مكانتها لدى النبي صلى الله عليه وسلم .فقد كان يحبها حبا شديدا لكونها أصغر بناته ويكرمها ويسر إليها ويفرح لفرحها ويغضب لغضبها.
فعن إسماعيــل القاضي: حدثنا إسحاق الغروي: حدثنــا عبد الله بن جعفر الزهري عن جعفر بن محمد عن عبيد الله بن أبي رافع عن المسور بن مخرمة قال:قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما فاطمة شجنة مني، يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها» وفي حديث آخر عن إسحاق بن أبي قسيط عن محمد عن بن أسامة عن أبيه سئل النبــــي صلى الله عليه وسلم« أي الــــناس أحب إليكة؟ قال: فاطمة».¹
فقد كانت فاطمة تقوم بمشاق البيت النبوي لوحدها خاصة عند موت أمها خديجة رضي الله عنها .حيث رعت النبــــي صلى الله عليه وسلم ،وعملت على خدمته و راحته وحنت عليه و برت به .حتى كناها صلى الله عليه وسلم" بأم أبيها" وبذلك زاد حب النبــــي صلى الله عليه وسلم لها.ووردت أحاديث عديدة تؤكد ذلك فعن بريدة قال: «كان أحب النساء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فاطمة و من الرجال علي»².كما روى عن سيدنا علي رضي الله عنه قال:«سألت الرسول صلى الله عليه وسلم فقلت :أيان أحب إليك أنا أو فاطمة؟ قال :فاطمة أحب إلي منك و أنت أعز إلي منها»³، وفي حديث آخرعن المسور بن مخرمة قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني.»4
كما ذكر ابن عبد البر- رحمه الله - ميزة عظيمة لفاطمة الزهراء رضي الله عنها تشير إلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹شمس الدين الذهبي:سير أعلام النبلاء،ج 2 ،مؤسسة الرسالة للطباعة و النشر و التوزيع،ط،2001،11 ،لبنان بيروت ص ص 132.133.
²نفسه،ص131.
³علية مصطفى مبارك:صحابيات مجاهدات، مكتبة السلام الجديدة،دار البيضاء،ص98.
4احمد خليل جمعة : المرجع السابق،ص602.
فضلها و مكانتها قال :«كان الرسول عليه الصلاة و السلام إذا قدم من غزو أو سفر بدأ بالمسجد وصلى فيه ركعتين ثم يأتي فاطمة ثم يأتي أزواجه¹»
و قد كان النبي عليه الصلاة والسلام يفرح فرحا شديدا عندما تزوره فاطمة رضي الله عنها.
فعن عائشة بنت طلحة ،عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما قالت:«ما رأيت أحدا كان أشبه كلاما و حديثا برسول الله عليه الصلاة والسلام من فاطمة و كانت إذا دخلت عليه قام إليها ،فقبل و رحب بها ، وكذلك كانت هي تصنع به وكان يخشى على فاطمة ،من متاع الدنيا الزائل» فعن ثوبان قال :«دخل الرسول صلى الله عليه وسلم على فاطمة و أنا معه، و قد اخذ من عنقها سلسلة من ذهب فقالت: هذه أهداها لي أبو الحسن. فقال :يا فاطمة،أيسرك إن يقول الناس هذه فاطمة بنت محمد و في يدها سلسلة من نار، ثم خرج . فاشترت بالسلسلة غلاما فأعتقته، فقال النبي:الحمد الله الذي نجا فاطمة من النار »²
واستمر حب الرسول صلى الله عليه وسلم لفاطمة الزهراء حتى بعد زواجها بل ازداد أكثر و لم يحتمل بعدها عنه، فحول فاطمة إلى جواره و اسكنها منزلا من بيوت الحارثة بن نعمان رضوان الله عليه.
إضافة إلى ذلك فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصا على فاطمة رضي الله عنها من أن تفتن في دينها ، حيث أن علي خطب بنت أبي جهل، فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم من ابنته رضي الله عنها غضب لذلك غضبا شديدا ،عن المسور بن مخرمة انه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول:« إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي ابن أبي طالب فلا آذن لهم ،ثم لا إذن لهم ،،ثم لا إذن لهم ،إلا إن يحب بن أبي طالب أن يطلق ابنتي و ينكح ابنتهم ،فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها » وفي رواية مسلم :«واني لست لا احرم حالا و احل حراما ، ولكن و الله لا تجتمع بنت رسول الله و بنت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ابن عبد البر:المصدر السابق، ص1895.
²أبو عمار محمود المصري:صحابيات حول الرسول صلى الله عليه وسلم،مكتبة الصفا،ط1،2005،ص 272.
عدو الله مكانا واحدا أبدا»¹.
وروي أنه«ذات ليلة كان بين علي و فاطمة كلام،فاقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم و على وجهه ظلال الغضب، فألقى له مثالا فاضطجع عليه،فجاءت فاطمة فاضطجعت من جانب ،و جاء علي واضطجع من جانب،فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم فوضعها على سرته،واخذ بيد فاطمة و وضعها على سرته ،و لم يزل حتى أصلح بينهما.ثم خرج فقيل له:دخلت وأنت على حال وخرجت ونحن نرى البشر في وجهك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:وما يمنعني وقد أصلحت بين أحب اثنين إلي»².
وازداد حب النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة وعلي أكثر،عندما ولدت رضي الله عنها الحسن والحسين فكانا أحب أحفاده إليه حتى قال فيهم عليه السلام رضي الله عنهم في حديث عن عائشة رضي الله عنها:"اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا."
وعن أبي سعيد:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا يبغضنا أهل البيت أحد، إلا ادخله الله النار."³
كما روي في حديث آخر في حب النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة وأسرتها«عن أبي هريرة قال:نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي و فاطمة والحسن والحسين فقال :أنا حرب لمن حاربكم سلم لمن سالمكم».4
ورغم حب النبي صلى الله عليه وسلم العظيم لفاطمة رضي الله عنها فإنه كان من ناحية تطبيق أحكام المولى عز ّو جّل عادلا حتى على أحب الناس إليه وهذا ما حدث في قصة المرأة المخزومية (فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية)التي سرقت حليا وجاء أسامة بن زيد ليشفع لها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: «يا أسامة لا تشفع في حد فانه إذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹أبو عمار محمود المصري:المرجع السابق،ص ص 271.270.
²عبد العزيز الشناوي :نساء الصحابة شركة شهاب للنشر و التوزيع ،،989باب الواد الجزائر،ص157.
³شمس الدين الذهبي:المصدر السابق،ص ص123.122.
4نفسه،ص 122.
انتهى إلي لم يكن فيه مترك ولو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».¹
فهذا الحديث العظيم يدل على عدل حبيبنا صلى الله عليه وسلم من جهة وعن مكانة فاطمة عنده عليه الصلاة والسلام, فأين نحن من هــذا؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ابن عبد البر :المصدر السابق،ص 1892.
المبحــــث الثــــالث : فاطمة الزهراء وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
في الوقت الذي ظلت فيه قريش غارقة في ظلمات الجهل والكفر ،كان النبي صلى الله عليه وسلم-وقد قارب الأربعين سنة محبا للخلوة والعزلة- يذهب لغار حراء في جبل النور، آخذا معه الزاد- وهو غار على مبعدة نحو ميلين من مكة، وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع عرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع من ذراع الحديد¹- ممضيا وقته عليه الصلاة والسلام في التفكير والتأمل بمشاهد الكون متسائلا عما وراءها من قدرة مبدعة متحسرا على عقائد الشرك والضلال التي كانت تعيشها قريش.
وما كان هذا إلا بداية لأمر عظيم شاءه المولى عزّ وجلّ لمحمد صلى الله عليه وسلم، لتكون هذه العزلة تمهيدا لتأدية رسالة إيمانية نورانية للناس كافة. ولما بلغ حبيبنا صلى الله عليه وسلم الأربعين سنة قد بدت علامات النبوة تظهر عليه ظهورا واضحا، فكان لا يرى رؤية إلا وجاءت كفلق الصبح.
وحدث الأمر العظيم بداية نزول الوحي عليه الصلاة والسلام بواسطة جبريل عليه السلام .ولن نجد أحسن من حديث عائشة رضي الله عنها التي روت ما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت: »أول ما بدا به الرسول من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء، و كان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه،- و هو تعبد الليالي ذوات العدد - قبل أن ينزع إلي أهله و يتزود إلى ذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاء الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. فقال: اقرأ . قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية. حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني. فقال: « اقْرَأ باسْمِ رَبِكَ الَّذِي خَلَق ﴿1﴾ خَلَقَ الإنْسَانَ مِن عَلَق ﴿2﴾ اقْرَأ ورَبُكَ الأكْرَم» العلق (1-2 )، فرجع بهــــــا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹صفى الرحمن المباركفوري:الرحيق المختوم،دار البيان العربي ،ط 19، 1428هـ -2007،المدينة المنورة،ص 74.
رسول صلى الله عليه وسلم ،يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: "زملوني زملوني"، زملوه حتى ذهب عنه الورع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر:" لقد خشيت على
نفسي." فقالت خديجة: كلا، و الله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم و تحمل الكل، و تكسب المعدوم ، و تقرى الضيف و تعين على نوائب الحق." فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي ابن عم خديجة، و كان امرءا قد تنصر في الجاهلية، و كان يكتب الكتاب العبراني، و يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب و كان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة:" يا ابن اعم. اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة:" يا ابن أخي ماذا ترى؟ فاخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة:" هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم :"أو مخرجي هم؟. فقال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، و إن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ". ثم لم ينشب ورقة إن توفي وفتر الوحي".¹ متفق عليه، رواه البخاري و مسلم.
و هكذا فقد كانت السيدة خديجة أول من آمن به حيث شاركته كل ما كان يواجهه من خطوب و أحداث مؤلمة فتواسيه. ومع استمرار نزول الوحي أياما أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أنه مكلف بتبليغ رسالة عظيمة لهداية الناس والخروج من الكفر والضلال، فبدأ عليه الصلاة والسلام دعوته سرا خوفا من أذى قريش. فكان أول من آمن به من الرجال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ،ومن النساء زوجته خديجة رضي الله عنها، ومن الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه²،و شاءت الأقدار إن تشهد فاطمة رضي الله عنها هذا التطور التاريخي في حياة أبيها صلى الله عليه و سلم، فأسلمت في سنواتها الأولى، و نشأت طاهرة بعيدة عن رجس الأوثان والبدع الضالة،متمسكة بدين الإسلام ــ الدين الذي خيره الله لعباده- لقوله تعالى«فأَقِم وجهَكَ للدِينِ حَنِيفًا،فِطْرَةُ اللهِ التِي فُطِرَ النَّاسُ عَلَيهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِينُ القَيِمُ، ولَكِنَ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلمُونَ».³
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ : سير ومواقف. رجال ونساء حول الرسول صلى الله عليه وسلم ، مكتبة الصفا دار البيان الحديثة،ط1 ،1426هـ -2006،القاهرة،ص 396.
² محمد شيب خطاب : ومضات من نور المصطفى صلى الله عليه وسلم،دار بوسلامة للطباعة والنشر و التوزيع،1983، تونس،ص 820.
³ سورة الروم :الآية 29،30.
ودامت دعوته السرية عليه السلام بمكة ثلاث سنوات¹، وبعد نزول قوله تعالى "فأصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين". بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله جهرا في عزم و قوة إيمان معارضا قريش فيما تقوم به من خرافات و عبادة أصنام داعيا إلى الدين الجديد دين الحق والنور مبشرا متبعيه بالجنة منذرا معارضيه بالنار غير مبال بأذى قريش،فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:انظروا قريشا كيف يصرف الله عني شتمهم و لعنهم، يشتمون مذمما،ويلعنون مذمما وأنا محمد."أخرجه البخاري. فقد كان صلى الله عليه وسلم يجد في القران تثبيتا ومن خديجة وفاطمة رضي الله عنهما سندا، كما وقف إلى جواره أصحابه رضوان الله عليهم ، فاظهروا إسلامهم غير مبالين هم أيضا باضطهاد قريش لهم ،فعن زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال:"إن أول من اظهر إسلامه سبع:رسول الله صلى الله عليه وسلم،أبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال ومقداد ،فأما رسول الله فمنعه الله بعمه أبي طالب ، وأما أبا بكر فمنعه الله بقومه ،وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أذراع الحديد وأوقفوهم في الشمس فما من أحد إلا وقد وأتاهم على ما أرادوا غير بلال فانه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأعطوه الولدان،فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول احد احد." ² حديث صحيح. ولما رأت قريش أن محمد صلى الله عليه وسلم لا يبال بهم وأن عمه أبا طالب يمنعه فذهب أشراف قريش إلى عمه فعن إسحاق قال:" مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب فقالوا :يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وظل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينك فانك على مثل مانحن عليه من خلافة فنكفكيه، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ، ومضى رسول صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله و يدعوا إليه »³.
وعندها بعث أبو طالب إلى ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم يكلمه قال ابن إسحاق:"وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة أن قريشا حين قالت لأبي طالب ما قالوا بعــــــث إلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹صفى الرحمن المباركفوري : المرجع السابق،ص 73.
² محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: السيرة النبوية،دار الكتب العلمية، ط 1،1981،بيروت لبنان،ص 137.
³ صفى الرحمن المباركفوري : المرجع السابق،ص93.
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوا إلي فقالوا:كذا وكذا، فابقي علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما ، لا أطيق فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه بداء وأنه خاذله ومسلمه، فقال:يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال:أقبل يا ابن أخي،فقال:اذهب فقل ما أحببت، فوا لله لا أسلمك أبدا»¹.
وبذلك ازداد عناد قريش وغيظها من قوله صلى الله عليه وسلم ففرضت على الرسول وبني المطلب وبني هاشم الحصار، وقطعت عنهم الأسواق و منعت عنهم الرزق.
ولم يكن يصلهم شيئا إلا سرا،وعندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم الأذى لحق بأصحابه أمرهم بالهجرة إلى الحبشة ومن آثار هذا الحصار أن توفيت خديجة رضي الله عنها في السنة العاشرة، وكذلك توفي عم النبي صلى الله عليه وسلم أبو طالب بعد نحو شهرين من وفاة خديجة رضي الله عنها²،فنالت قريش من النبي صلى الله عليه وسلم وانتقمت منه اشد انتقام فقد مات من كان يحميه من آذاهم، وسمي هذا العام عام الحزن.
ذكر القرآن الكريم والحديث الشريف الكفرة الذين سولت لهم أنفسهم إذاية النبي صلى الله عليه وسلم في مقدمتهم "أبو لهب بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام وأبي بن خلف والعاص بن وائل والنضر بن الحارث وأم جميل بنت حرب وعتبة بن الربيعة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف و غيرهم كثير".³ وكان أشدهم بطشا وظلما للنبي صلى الله عليه وسلم أبو لهب الذي قال فيه
الله عز وجل " تَبَت يَدَا أبِي لَهَبٍ."4 و قد عانت فاطمة رضي الله عنها كثيرا من آلام الحصار فقد أثر الجوع في صحتها فأصبحت نحيلة الجسم ، فكان يؤلمها ما كان يتعرض له أبوها صلى الله عليه وسلم من الأذى فقد ذكر أنها خرجت رضي الله عنها إلى الحرم فألفت أكابــــــــر المجرمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: المرجع السابق، ص85.
²محمد شيث خطاب : المرجع السابق،ص 18.
³ أحمد خليل جمعة: المرجع السابق،ص555.
4 سورة المسد: الآية 1.
متحلقين بزعامة أبي جهل و هم جالسون في الحجر، يتحدثون عن الإسلام وعن محمد صلى الله عليه وسلم والذين معه و جعلوا يتجاذبون أطراف الحديث فيما بينهم و قد سمعت الزهراء شيئا عن محاوراتهم الخبيثة، فكان مما قالوا:"إذا مر محمد فليضربه كل واحد منا ضربة" أسرعت فاطمة عليها سحابات الرضوان ودخلت على أبيها صلى الله عليه وسلم وقالت وهي تسترسل في البكاء:"تركت الملأ من قريش قد تعاقدوا في الحجر وحلفوا باللاتي ولعزى ومنات الثالثة الأخرى واسافة ونائلة إذا هم رأوك أن يقوموا إليك فيضربوك بأسيافهم فيقتلوك" ،فقال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لفاطمة في ثقة عظيمة بالله عز و جل:"يا بنية لا تبكي فإن الله تعالى مانع أباك." ¹
وقد كان لفاطمة رضي الله عنها مواقف جريئة مع كفار قريش أدهشتهم وبقيت راسخة في التاريخ، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس ،إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان فيضعها على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم فجاء به فنظر حتى سجد النبي صلى الله عليه وسلم و وضعه على ظهره بين كتفيه وأنا أنظر لا أغني شيئا لو كانت لي منعة، قال:فجعلوا يضحكون و يحيل بعضهم على بعض، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره فرفع رأسه ثم قال:"اللهم عليك بقريش."ثلاث مرات، فشق عليهم إذ دعا عليهم".²
وهناك موقف آخر لفاطمة يبين جرأتها و شجاعتها،موقف شهد له التاريخ. فذكر أنها"قد مرت ذات يوم بأبي جهل فإذا به يرميها بنظرة قاسية ثم يلطمها لاطمة قوية أظهر فيها كل بغضه و حقده لأبيها، وتتألم سيدتنا فاطمة الزهراء ألما شديدا لهذه اللطمة الحاقدة وتنظر إلى الرعديد أبي جهل الذي تطاول عليها فضربها ، فأبصرت فاطمة الزهراء أبا سفيان بن حرب و كان حاكما بقريش، فشكت إليه ما فعل النذل الجبان أبو جهل فإذا بأبي سفيان تأخذه حمية الحق فيرجع بفاطمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ أحمد خليل جمعة: المرجع السابق، ص557.
²ابو عمار محمود المصري: المرجع السابق،ص 260.
الزهراء إلى حيث يجلس أبو جهل ثم يقول: "لها الطميه قبحه الله ".
و تحقق أمنية الزهراء فاستجمعت قوتها و لطمت أبا جهل كما لطمها واقتصت لنفسها فإذا بأبي جهل ينكس رأسه خزيا و قد نزعت منه المهابة و جلله العار من أقدامه على هذه الفعلة المشينة الشنيعة. وذهبت فاطمة الزهراء رضوان الله عليها إلى أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم و قصت عليه القصص بما كان فقال صلى الله عليه وسلم:" اللهم لا تنساها لأبي سفيان"،و استجاب الله عز وجل للرسول الكريم دعوته وفتح على بصيرة أبي سفيان و قلبه فأسلم عام الفتح ¹.
فحقا فتاريخ فاطمة الزهراء زاهر حافل بمواقفها العظيمة فكانت سندا لأبيها محمدا صلى الله عليه وسلم ،فتحملت أعباء البعثة سنواتها الأولى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ أحمد خليل جمعة:المرجع السابق ،ص ص 559،558.
المبحــــث الرابـــع : فاطمة و وفاة أمها خديجة رضي الله عنهما.
ما إن خرج الرسول عليه الصلاة والسلام و بنو هاشم و المطلب من الشعب بعد ثلاثة أعوام من الحصار الذي عان فيه المسلمون آلام الجوع و الظلم- لكنهم صبروا واحتسبوا أمرهم إلى الله عز و جل فلم يزدهم هذا إلا إيمانا بالله و تمسكا بالرسول صلى الله عليه و سلم وبهذا الدين الجديد- حتى فوجئ النبي صلى الله عليه وسلم بمرض زوجه خديجة رضي الله عنها التي أثرت آلام الحصار على صحتها تأثيرا بليغا ألزمها الفراش ، فكانت ابنتاها فاطمة وأم كلثوم رضي الله عنهما تقومان برعايتها وتمريضها ولم تلبث سيدتنا خديجة رضي الله عنها أن توفيت في السنة العاشرة من النبوة ولها خمس و ستين سنة و رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمسين من عمره. ¹
فعن عائشة رضي الله عنها قالت:"توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة، و قيل كان موتها في رمضان ودفنت بالحجون، وقيل أنها عاشت خمسا و ستين سنة". وقال الزبير:" تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ولها أربعين سنة و أقامت معه أربع و عشرين سنة."²
بعد شهرين من وفاة خديجة رضي الله عنها، توفي عم النبي صلى الله عليه وسلم أبو طالب فتراكمت على الرسول عليه الصلاة و السلام الآلام والأحزان لفقد زوجه و عمه في نفس العام فسماه النبي عليه الصلاة و السلام بعام الحزن إكراما للطاهرة خديجة رضي الله عنها ولأنه لم يجد سبيلا لدعوته و تبليغ رسالته بمكة وما حولها فقد كان عمه يمنعه من قريش، كما كانت خديجة رضي الله عنها سكن النبي صلى الله عليه وسلم تشاركه أشق مراحل الدعوة وتؤازره وتواسيه فآمنت به و صدقته حين كفر به الناس، فرجاحة عقلها و حكمتها كانت تثبيتا لفؤاده عليه السلام حين جاءه الوحي، كانت تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظرة إكبار مقدرة قيمة رسالته السامية التي أخرجت المسلمين من الظلمات إلى النور حتى استحقت بكل جدارة أن يأتيها السلام من عند السلام ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"أتى جبريل النبي عليه السلام فقال: يا رسول ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ صفى الرحمن المباركفوري : المرجع السابق، ص 117.
² محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي:المرجع السابق، ص 158.
الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه أدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من
ربها و مني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب." متفق عليه أخرجه البخاري.¹
بقيت خديجة رضي الله عنها في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينسها و ظل يذكرها في مجالسه حتى بعد زواجه من عائشة.وقد ذكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حديثا يدل على مكانة الطاهرة خديجة رضي الله عنها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من الثناء عليها و الاستغفار لها فذكرها يوما فحملتني الغيرة فقلت:قد عوضك الله من كبيرة السن! فرأيته غضب غضبا أسقطت في خلدي وقلت في نفسي اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما لقيت قال:كيف قلت؟ ،و الله آمنت بي إذ كذبني الناس وآوتني إذ رفضني الناس ورزقت منها الولد وحرمتموني منه. قالت: فغدا وراح عليّ بها شهرا.» ²
فكان عليه السلام يحب من يحبها ويحب أن يرى ويسمع ممن يذكره بها و بأيامها العطرة. فعن هشام بن عروة عن أبيهما قال :" سمعت عبد الله بن جعفر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:خير نسائها مريم أبنت عمران وخير نسائها خديجة."³
ومن الدلائل الرائعة على وفائه لها ما حدث في غزوة بدر الكبرى حيث أسرى أبا العاص بن ربيع صهر الرسول الحبيب و زوج ابنته زينب ابنة خديجة، فأرسلت الوفية زينب فداء لزوجها أبي العاص ومن ضمن الفداء قلادة كانت لخديجة رضي الله عنها أعطتها إياها ليلة زفافها و عندما رآها صلى الله عليه وسلم تذكر زوجته الحبيبة خديجة وقال لأصحابه: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها قلادتها فافعلوا. فاستجاب أصحابه لذلك. 4
كانت فاطمة رضي الله عنها تتألم لوفاة أمها خديجة، وحزنه صلى الله عليه وسلم فقد فقدت ينبوع الحنان والعطف والمودة ولكنها لم تنسى مواقفها العظيمة مع أبيهــــــــا صلى الله عليه وسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ أبو عمار محمود المصري :المرجع السابق ،ص،ص 50،51.
²أحمد خليل جمعة:المرجع السابق،ص 710.
³ أبو عمار محمود المصري :المرجع السابق ،ص،ص 55.
4 نفسه:ص55.
فسارت على دربها تقتفي آثارها وتهتدي بهديها، كما وجدت فاطمة رضي الله عنها نفسها أمام مسؤوليات كبيرة نحو أبيها الذي زادت عليه أعباء الدعوة وأذى قريش فأخذت ترعى النبي صلى الله عليه وسلم وتسهر على راحته وتحنو عليه وتقف بجواره لتعوضه القليل عن أمها فسميت" بأم أبيها " ،كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لها الأب والأم وغمرها بحبه وحنانه فزاد تعلقها رضي الله عنها بأبيها صلى الله عليه وسلم فهو صاحب القلب الرحيم الذي لو قسمت رحمته على الناس لكفتهم جميعا فكيف مع أحب الناس إليه فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
المبحــــث الخامس: فاطمة الزهراء و أحداث هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
رغم إيذاء المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم ، و خاصة بعد وفاة خديجة رضي الله عنها و عمه أبي طالب ، واصل عليه الصلاة و السلام نشر دعوته ، حيث خرج صلى الله عليه وسلم إلى الطائف في شوال سنة عشر من النبوة ، و هي تبعد عن مكة نحو ستين ميلا، سارها ماشيا على قدميه جيئة و ذهابا ، و معه مولاه زيد بن حارثة ¹ ، وقد أقام بينهم عشرة أيام داعيا أشرافهم إلى الدين الجديد ، غير أنه قوبل بالرفض بل أكثر من ذلك فقد استهزؤوا به و آذوه و جعلوا سفهائهم و صغارهم يرمونه بالحجارة حتى دمت رجلاه . و كان زيد بن حارثة يحميه بنفسه حتى شجّ رأسه.
و أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يدعو دعائه المشهور «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي و قلة حيلة و هواني على الناس يا أرحم الرحمين، أنت رب المستضعفين، و أنت ربــــــي إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتهجمني ؟ أم إلي عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك علي غضب لا أبالي ، و لكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات و صلح عليه أمر الدنيا و الآخرة ، من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولاحول و لا قوة إلا بك»².
فعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة كئيبا مكسور الخاطر فاستقبلته ابنتاه فاطمة الزهراء وأم كلثوم رضي الله عنهما بحزن شديد ، فحكى لهما ما حدث معه في الطائف وما لحقه من أذى و يطمئناهما في الوقت نفسه لأن الله عز وجل معه و أنه بعد العسر يسر وسيأتي الفرج وينصر دينه لا محال.
عند اقتراب موسم الحج بدأ الناس يأتون إلى مكة من كل فج عميق، لقضاء فريضة الحج، فاستغل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الفرصة ،ودعاهم إلى الإسلام قبيلة قبيلة، وقال الزهري: «وكان ممن سمي لنا من القبائل الذين أتاهم الرسول صلى الله عليه وسلم ،ودعاهم وعرض نفسه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ صفى الرحمن المباركفوري : المرجع السابق، ص 125.
² نفسه:ص 125.
عليهم:بن عامر بن صعصعة،محارب بن خصفه،فزارةوفسان،مرة،حنيفة وسليم،عبس وبنو نصر،بنو البكاء،كندة،كلب،الحارث بن كعب وعذره والخصارمة فلم يستحب منهم أحد.» رواه الترمذي وأحمد.¹
للإشارة، هذه القبائل لم يعرض عليها الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام في موسم واحد أو سنة واحدة، ورغم ذلك رفض كل هذه القبائل لم ييأس عليه الصلاة والسلام واستمر في دعوته،ففي موسم الحج من السنة الحادية عشر للبعثة التقى النبي صلى الله عليه وسلم بنفر من عرب يثرب فعرض عليهم دعوته، فآمن منهم ستة كانوا سبب انتشار الإسلام في المدينة.ووعدوه
بمقابلته في موسم الحج القادم،فلما كان العام الثاني لقي إثنى عشر رجلا،منهم عشرة من الأوس واثنان من الخزرج.فآمنوا عند العقبة الثانية.²
بعد انتشار الإسلام في المدينة المنورة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين جميعا بالهجرة إليها، تجنبا لأذى المشركين، فهاجر المسلمون تسللا خوفا من أن تمنعهم قريش من ذلك، ولم يبق في مكة إلا القليل من المسلمين. ولما سمعت قريش بذلك خاف زعماءها من أن يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا وتقوى شوكته فتنتشر دعوته، فأجمعوا على قتله .ذكر ابن كثير:«اجتماع شياطين قريش في دار الندوة في يوم الزحمة و حكي ما كان بينهم وبين إبليس الذي تبدى لهم في صورة الشيخ النجدي،واستقر رأيهم على ما قاله جهل بن هشام:أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا،ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما،ثم يعمد إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه،فإنهم إن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدربنو مناف على حرب قومهم جميعا،فرضوا منا بالعقل ــ الدية ــ فعقلناه لهم فتفرق القوم على ذلك،وهم مجمعون له،فأتى جبرائيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له :لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. قال :فلما كانت عتمة من الليل، اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي،وتسجّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ صفى الرحمن المباركفوري : المرجع السابق، ص 129.
²محمد شيت خطاب:المرجع السابق،ص 19.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذ ينام.ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآيات«يَس﴿1﴾والقُرَآنُ الكَرِيم﴿2﴾» إلى قوله«وجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِم سَدًّا فَأَغْشَينَاهُم فَهُم لاَ يُبْصِرُونَ﴿9﴾» يس، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا،ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم .فقال:"ما تنتظرون ها هنا؟قالوا: محمدا،قال :خيبكم الله،قد والله خرج عليكم محمدا،ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا،وانطلق لحاجته،أفما ترون ما بكم؟قال:فوضع كل رجل منهم يدا على رأسه،فإذا عليه تراب،ثم جعلوا يتطلعون، فيرون عليّا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فيقولون:والله إن هذا لمحمد نائما على برده،فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا،فقام علي عن الفراش فقالوا:والله،لقد صدقنا الذي كان حدثنا.¹
وهكذا استطاع أن يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ويسلم من مكائد قريش بإذن ربّه عز وجلّ،وعند وصوله استقبله أهلها خير استقبال،فبني أول مسجد بها"قباء"وآخى بين الأوس والخزرج وكذلك المهاجرين والأنصار من جهة أخرى.
وفي هذه الأثناء كانت فاطمة الزهراء وأختها أم كلثوم رضي عنهما في البيت النبوي ومعهما سودة بنت زمعة التي خطبها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة رضي الله عنها.فبعث صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وأبا رافع لاصطحاب نساء البيت النبوي إلى المدينة،وذكر إسحاق رحمه الله في السيرة:«أنه في طريق الهجرة إلى المدينة المنورة لقيت فاطمة بعض الأذى ،فقد طارد بعض مشركي قريش الركب المهاجرة ولحق الحويرث بن نقيذ القرشي الركب ونخس بعير فاطمة وأم كلثوم،فرمى بهما إلى الأرض،وباء الحويرث بغضب من الله و رسوله.² واصلت فاطمة الزهراء رضي الله عنها الهجرة إلى المدينة المنورة رغم ما لاقته من أذى الحويرث بن نقيذ القرشي وعند وصولها استقبلها النبي صلى الله عليه وسلم بفرح شديد،فالتحقت بنساء المسلمين لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها بالمدينة المنورة.ولتكون مع فارس المسلمين حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أوفى زوجة في نساء العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
¹ابن كثير: البداية و النهاية، ج 3، دار التقوى، شبر الخيمة، منشية الحرية:ص 213.
²أحمد خليل جمعة:المرجع السابق، ص 563.